فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 32

لذة العلم

اعلم أن شرف الشيء إما لذاته أو لغيره، والعلم حائز الشرفين جميعا لأنه لذيذ في نفسه فيطلب لذاته، لذيذ لغيره فيطلب لأجله .

أما الأول: فلا يخفى على أهله أنه لا لذة فوقها لأنها لذة روحانية وهي اللذة المحضة، وأما اللذة الجسمانية فهي دفع الألم في الحقيقة، كما أن لذة الأكل دفع ألم الجوع، ولذة الجماع دفع ألم الامتلاء . بخلاف اللذة الروحانية فإنها ألذ وأشهى من اللذائذ الجسمانية . ولهذا كان الإمام الثاني محمد بن الحسن الشيباني يقول عندما انحلت له مشكلات العلوم: (( أين أبناء الملوك من هذه اللذة ) ) سيما إذا كانت الفكرة في حقائق الملكوت وأسرار اللاهوت، ومن لذته التابعة لعزته أنه لا يقبل العزل والنصب مع دوامه لا مزاحمة فيه لأحد، لأن المعلومات متسعة مزيدة بكثرة الشركاء .

ومع هذا لا ترى أحدًا من الولاة الجهال إلا يتمنون أن يكون عزهم كعز أهل العلم، إلا أن الموانع البهيمية تمنع عن نيله .

وأما اللذائذ الحاصلة لغيره: أما في الأخرى فلكونه وسيلة إلى أعظم اللذائذ الأخروية والسعادة الأبدية، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يتوصل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل . فأصل سعادة الدارين هو العلم فهو إذًا أفضل الأعمال . وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع، فإنك ترى أغبياء الترك وأجلاف العرب وأراذل العجم يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم، لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة .

بل البهيمة تجدها توقر الإنسان بطبعها لشعورها بتمييز الإنسان بكل مجاوز لدرجتها، حتى إنها تنزجر بزجره وإن كانت قوتها أضعاف قوة الإنسان .

نفع العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت