مفاهيم قاصرة للتربية الجادة:
ينصرف الذهن لدى بعض الناس حين نطلق التربية الجادة إلى بعض المفاهيم القاصرة ومنها:-
المفهوم الأول: قلة الضحك:
مما لاشك فيه أن كثرة الضحك تميت القلب، وأن المسلم الجاد يقتصد في المزاح والهزل، لكن هل ما نعنيه ونريده من التربية الجادة أن يكون المتربي قليل الضحك، لا يفتر ثغره عن ابتسامة إلا في الحول مرة أو مرتين؟
قد يكون بعض الناس طريفًا بطبعه، فهل يكون مثل هذا النوع غير مؤهل للجدية؟ إليك هذين النموذجين من السلف:-
الشعبي:
كان مشهورًا بالدعابة والطرافة، أتاه رجلٌ يومًا وهو جالس مع امرأته فقال: أيكما الشعبي؟ فأشار إلى امرأته فقال: هذه، وسأله رجلٌ: ما اسم زوجة إبليس؟ فقال: ذاك عرسٌ لم نشهده.
ومع هذه الطرافة التي اشتهر بها قال عنه مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم من الشعبي، وقال هو عن نفسه: ما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا وقضيت عنه، ولا ضربت مملوكًا لي قط، ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر إليه الناس [1] .
الأعمش:
كان صاحب طرفة مشهورًا بها كذلك، سأله رجل: كيف أمسيت البارحة فأحضر وسادة فاضطجع عليها وقال: هكذا.
وقال عيسى: أتى الأعمش أضياف فأخرج إليهم رغيفين فأكلوهما، فدخل فأخرج لهم نصف حبل قتِّ فوضعه على الخوان، وقال: أكلتم قوت عيالي، فهذا قوت شاتي فكلوه.
وسأله أبو داود الحائك ما تقول يا أبا محمد في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء، قال: وماتقول في شهادته؟ قال: تقبل مع عدلين.
ومع ذلك كان من أعبد الناس، قال عبد الله الخُرَيْبيُّ: ما خلف الأعمش أعبد منه.
وقال عنه أبو بكر بن عياش: كان الأعمش يعرض القرآن فيمسكون عليه المصاحف فلا يخطئ في حرف.
(1) انظر في هذه الأخبار سير أعلام النبلاء ( 4/294)