وقال عنه يحيى القطان: كان من النسَّاك، وكان محافظًا على الصلاة في جماعة، وعلى الصف الأول [1] .
إذًا فقد يكون المرء ذا طرافة مزَّاحًا لكنه جادٌ في موضع الجد، عاملٌ في موضع العمل.
المفهوم الثاني: التحصيل العلمي:
وأحيانًا ينصرف الذهن عند الحديث عن التربية الجادة إلى أنها تلك التي تعنى بالتحصيل العلمي وبذل الجهد فيه.
ولئن كان طلب العلم من أشرف الأعمال وخيرها، ويمثل ميدانًا من أفضل ما يشغل به الشباب المسلم اليوم، ولا يجوز بحال التهوين من شأنه، أو إهماله بحجة الانشغالات الدعوية؛ إلا أن ذلك لن يجعل طلب العلم هو وحده المعيار الذي تقاس من خلاله الجدية.
ثمة طاقات منتجة، وفئات تتقد حماسة وتحمل غيرة وتبدي استعدادها لتقدم خيرًا للمسلمين، لكنها لا تملك القدرة العقلية أو التهيؤ النفسي لطلب العلم والتقدم فيه، فهل يجوز أن تهمل جهود هؤلاء؟ أو أن يهمش دورهم ويشعرون أنه لا قيمة لهم ولا مجال ما داموا غير بارعين في الميدان العلمي؟
إن هناك ميادين كثيرة من الخير والخدمة للدين ونصرة قضايا الأمة يمكن أن يقوم بها أمثال هؤلاء، كالميادين الإدارية والاجتماعية والإغاثية والتربوية وغيرها كثير، وهي لا تفتقر للحصيلة العلمية الواسعة، وهذا وإن كان لن ينقلهم إلى مصاف الدعاة المؤهلين المتصدرين للتعليم والإفتاء والتوجيه، إلا أنه لن يلغي دورهم.
المفهوم الثالث: الحزم والقسوة:
بعض الناس تعني الجدية لديه القسوة والحزم، والتعامل مع الناس بمنطق لايقبل العذر، ولايعفو عن الزلة أو يقيل العثرة، إنه منطق أولئك الذين لايجيدون التوازن بين المفاهيم النظرية المجردة وبين الواقع العملي، فيتطلعون إلى نموذج مثالي لايتحقق في دنيا الواقع، حينها يشعر أحدهم أنه يجري ولايجرى معه.
(1) انظر في هذه الأخبار سير أعلام النبلاء (6/226 فما بعدها ) .