ففي تربيته العلمية لأصحابه لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يقتصر على تعليم أصحابه مسائل علمية فقط، بل ربَّى علماء ومجتهدين، وحملة العلم للبشرية. ولقد ظهرت أثار هذه التربية على صحابته بعد وفاته في مواقفهم من حادثة الردة، وجمع القرآن، وشرب الخمر، واتخاذ السجون، والخراج، وغير ذلك من المسائل التي اجتهد فيها صحابته رضوان الله عليهم، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوازل التي واجهتهم، واستطاعوا أن يتوصلوا فيها للحكم الشرعي، ولقد واجه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دولة ممتدة الأطراف، متنامية النواحي، وتعاملوا مع أصناف أخرى من الشعوب، وأنماط جديدة من المعيشة والسلوك، واستطاعوا أن يستوعبوا ذلك كله. كل ذلك كان نتاج التربية العلمية التي ربَّاهم عليها صلى الله عليه وسلم.
ومن معالم تعليمه المنهج العلمي:
1 -كان يعودهم على معرفة العلة ومناط الحكم:
فلما سئل عن شراء التمر بالرطب، قال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا:نعم فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك [1] ، وقد كان معلومًا له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره أن الرطب ينقص إذا يبس، لكنه أراد تعليمهم مناط الحكم وعلته.
وحين نهاهم عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قال لهم:"أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟» [2] ."
وحين قال - صلى الله عليه وسلم -: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا له: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا» [3] .
ففي هذه النصوص علَّم - صلى الله عليه وسلم - أصحابه علةَ الحكم ومناطه، ولم يقتصر على الحكم وحده.
2 -كان يعودهم على منهج السؤال وأدبه:
(1) رواه أبو داود (3359) والنسائي (4545) والترمذي (1225) وابن ماجه (2264) .
(2) رواه البخاري (2198) ومسلم (1555) .
(3) رواه مسلم ( 1006 ) .