لا يزال الكلام موصولًا بما سبق في العددين السابقين عن بعض ألوان العبث بتراثنا . وإن مما يتصل بالتصرف في النصوص المحققة ونشرها ، أن تجد ذلك مقرونًا بخيانة الأمانة وسرقة جهود الناشرين والمحققين السابقين ، حيث يقوم ناشر جديد فيطبع بعض الكتب القديمة بطريقة التصوير عن الطبعة الأصلية ويحذف من الصورة اسم الناشر الأول أو المحقق أو اسم كليهما ، وقد بذل كل منهما جهدًا كبيرًا في الحصول على الأصول الخطية التي طبع عنها الكتاب ، ثم قام بمقابلة مخطوطاته وضبط الكتاب وتفصيله .
وهذه الطريقة تضيع حقوق الآخرين وتنكر جهدهم ، فيُنسى فضلهم الذي سرقه المتاجرون بكتب العلم ، الذين يأكلون حقوق الناس ظلمًا فيجعلونه بابًا من أبواب الرزق الحرام ، ولكن الأثر يكون أكثر أهمية بالنسبة لتوثيق النصوص عند الباحثين والمعنيين بحركة النشر ومتابعتها ..
وأنت واجد أمثلة كثيرة لهذا اللون من التزوير ؛ فقد كان الأستاذ حسام الدين القدسي - رحمه الله -وقف جهده وعلمه ومكتبته ، التي أنشأها في القاهرة بعد هجرته من بلاد الشام ، على تحقيق وطباعة كثير من الكتب الأمهات ، في الحديث وعلومه ، وفي اللغة والتاريخ والتراجم .. وتوفي القدسي ، ثم جاء تجار الكتب في بيروت ليعيدوا طباعة كتبه سرقة ، وضنوا على صاحب الجهد الأول بإثبات اسمه أو اسم مكتبته على الكتاب ، فأصبحت تجد ( مجمع الزوائد ) للهيثمي - بأجزائه العشرة - وتحت عنوانه: ( منشورات دار الكتاب العربي - بيروت جميع الحقوق محفوظة ..) .
وبالطبع الحقوق محفوظة لغير أصحابها ، أي للسارقين ! درن اي إشارة إلى عمل القدسي حتى المقدمة التي قدم بها للكتاب ، وفيها وصف المخطوطة ليس فيها اسمه .