فأحدهم يبيح لنفسه حذف بعض الكلمات مثل صيغة الدعاء والترحم والترضي عن بعض العلماء ، بسبب مخالفة فقهية ، أو بسبب عداوة أو غباوة ، وكأنه لا يجيز أن يدعو بالرحمة للإمام الشافعي مثلًا ، أو لأبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - ؛ لأنه يخالفهم في شيء من الرأي . وأظن أن التصريح هنا باسم من يفعل ذلك ليس فيه شيء من المصلحة الآن ، فلندعُ له بالهداية .
وقد يحذف نص من كتاب مثلًا في باب معين لضعف رأي أو خطئه ، فمثلًا في طبعة الرياض لكتاب (الأذكار) للإمام النووي - تحقيق الشيخ الأرناؤوط - حذفت حكاية العتبي في الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي-صلى الله عليه وسلم - ودعا . وهي حكاية بلا إسناد ، ويرويها البيهقي في ( الشُّعب ) بإسناد مظلم ، وهي موجودة في سائر طبعات ( الأذكار ) وفي كتب الفقه ( كالمغني ) وغيره ، فليس لأحد الحق في حذفها بحجة التحقيق أو لأنها حكاية ضعيفة ، وإنما يعلق عليها في الحاشية ويبيِّن الصواب والحق .
ثم قد علمت أن إسقاط هذه القصة إنما كان تصرفًا من مراقبة المطبوعات في دار الإفتاء بالرياض ، وليس من المحقق نفسه . وهذه أعجب !
وسبقت الإشارة أيضًا إلى تصرف الأستاذ أحمد عطا ، واجتهاداته الشخصية في تغيير نص كتاب (العقل) للحارث بن أسد . وهذا كله يتنافى مع الأمانة العلمية ،
ومع الدقة التي يتصف بها علماؤنا في آداب تصحيح النص واحترامه ، حتى قال العلموي: ( إنه لا يجوز أن يصلح كتاب غيره بغير إذن صاحبه ) ، ويعجب من عمل يشبه عمل محققينا الذين سبقت الإشارة إليهم فيقول: ( وقد تجاسر بعضهم فغيَّر ما الصواب إبقاؤه ) (1) .
تعددت الأساليب .. والعبث واحد !
(1) انظر: مناهج البحث عند علماء المسلمين ، تأليف روزنثال ص 60 وما بعدها .