وهذا المثال الأخير ، يُسْلمنا إلى ملاحظة أخرى عن التحقيق الذي أصبح بمفهوم بعضهم مرادفًا للعبث والتلاعب بالنصوص (المسكينة) : حذفًا وإضافة وتصرفًا . وفي هذه خيانة للأمانة وعدوان على التراث العلمي لسفنا الصالح ، وافتئات على المؤلفين ، وهو داخل ضمن الكذب والزور (1) ، ومجانب للصواب في عملية التحقيق التي تعني: ( تقديم النص كما يريده المؤلف ) دون أي تحسين أو تعديل أو تصويب (2) .
ونأخذ أمثلة على ذلك من ( تهذيب موعظة المؤمنين ) أولًا ، ثم من غيره ثانيًا . قالت الطائفة من الجامعيين تحت عنوان: (عملنا في هذا الكتاب) : ( لقد اعتمدنا هذا المختصر في دراستنا وتحقيقنا ،(وهنا إضافة جديدة وهي الدراسة) وهو مع علو شأن مختصره ، احتوى على العديد من الأحاديث غير الصحيحة ، فحذفناها على الغالب لعدم الفائدة من ذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ولو بالتعليق عليها ، خشيةً من بلبلة المبتدئين ، وحققنا الصحيح من هذه الأحاديث كما هو واجب على كل باحث .. واستدركنا على الحافظ العراقي في الأحاديث التي اكتفى بعزوها إلى كتب ( السنن ) فقط ، مع أن فيها العديد من الأحاديث غير الصحيحة ) .
وليت شعري ! هل أصبح حذف الأحاديث غير الصحيحة من الكتاب لعدم الفائدة منها ، هل أصبح داخلًا في حدود عملهم الذي قالوا عنه: ( أولًا: المراجعة وتحقيق الأحاديث ) ؟ أو أنه من مقتضيات التحقيق ؟ وكيف يحققها وقد حذفها من الكتاب ! ولو كان عملهم الاختصار أو التهذيب أو الحذف ، لكان هناك من يسوغ لهم هذا ويفتي به ، أما وإن الكتاب مطبوع باسمه الذي وضعه المؤلف ، فلا يجوز بعد ذلك هذا التصرف فيه .
(1) اقرأ ما كتبه الشيخ الصافي في كتابه: ( أخطار على المراجع العلمية ) ص 57-59 ، طبع دار الفاروق ، بالطائف .
(2) راجع على سبيل المثال ( محاضرات في تحقيق النصوص ) ، للدكتور أحمد الخراط ، ص8 .