ـ إعداد رسول الله للهجرة آخذا بالأسباب علي الرغم من إيمانه الشديد بنصرة الله، والمتمثلة في أن يترك عليا في فراشه ، ويطلب من عبد الله بن أبي بكر أن يتحسس لهما الطريق أثناء الرحلة، وأن تقوم السيدة أسماء بإعداد الزاد لهما في خفاء ، وأن يستعين بمشرك بعد أمنه ليدله علي صواب الطريق ، وأن يستخدم بلاغته في إجابة السائل من أين أنتما ؟ فقال:"نحن من ماء"دون كذب منه ، كل هذا أخذًا بالأسباب يؤكد لنا من قرب أنه يجب علي المسلم أن يأخذ بالأسباب ويترك النتائج لله، وهذا معني التوكل في حديث النبيّ (اعقلها وتوكل) ، فالتوكل هو الاعتماد علي الله مع الأخذ بالأسباب، ولله در القائل:
علي المرء أن يسعي إلي الخير جهده وليس عليه أن تتمّ المطالب
علي المرء أن يسعي إلي الخير جهده وليس عليه إدراك المقاصد
ولنعلم أن إرادة الله لا تنافي مقتضيات العقل ومعطيات الفكر البشرى، لذلك فقد جعل الله العقل في توازن مع السمع في الإيمان، فقال علي لسان أهل النار: {وقالو: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . فالإسلام لا يقف أبدا عند أداء العبادات، بل ما هي إلا أركان شُيّد عليها بنيان عظيم متين، هو بنيان يستقر قويا إلي يوم القيامة مهما حاول الآخرون هدمه، غير أن قوة استقراره تنبع وتستمد قوتها من أهله ، ولعلنا نلمس هذا في استقبال الأنصار لرسول بهذا الحب العظيم، فخروجهم أياما في الحرارة الشديدة انتظارًا لرسول الله يؤكد لنا أن الإسلام لم يكن محصورا في أداء العبادات ، بل في الحب له ولربه ولرسوله والتضحية من أجله .