ومن ثم بدأ النبي يستعد للهجرة ، فأرجي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليّا بعده ليؤدي الودائع التي كانت مودعة لديه من مشركي أهل مكة . كما استأخر أبا بكر ليصطحبه في رحلته، فأعدّ له العدة كاملة، وفي اليوم الموعود والمشركون علي باب بيته منتظرون خروجه لقتله، استخلف عليّا مكانه في فراشه وتغطي بغطائه ، ورمي المشركين بحبات من التراب قائلا:"شاهت الوجوه وعميت الأبصار وضلت القلوب، وتلا مطلع سورة يس {.. وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} . ثم خرج مع صاحبه ولم يروه."
استعان النبي بأحد المشركين ليدله علي صواب الطريق بعد أن أمنه ، كما كُلف عبد الله بن أبي بكر بكشف الطريق لأمن الرسول وصاحبه ، وكلفت أسماء بنت أبي بكر بإعداد الزاد وتوصيله إلي النبي وأبيها أثناء الرحلة الشاقة دون أن يراها أحد ، وكان أبو بكر يمشي أمام النبي تارة وخلفه تارة وعن يمينه تارة وعن شماله أخري ، خوفا علي رسول الله .
لما وصل إلي غار ثوء دخلا الغار، وقد استقدمه أبوبكر لأمن الطريق في الغار، وقد وصل المشركون إلي باب الغار، وكادوا يقبضون علي محمد وصحبه، حتى اشتد خوف أبي بكر واشتد بكاؤه، فطمئنه الحبيب لثقته في معية الله ونصره له، فسخر الله جنوده (حمامتان تبيضان وعنكبوت ينسج خيوطه علي باب الغار؛ تأكيدا للأعداء بأن الغار لم يفتح قطّ، فعادوا خائبي الأمل، فأعلنوا أنه من يقبض علي محمد حيا أو ميتا فله مائة ناقة، وكان أول المتسابقين سراقة بن مالك، ولحق برسول الله، فلما اقترب منه انشقت الأرض فابتلعته، تكرر هذا الأمر ثلاث مرات وهو معجزة تؤكد حماية الله لحبيبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان النبي يعفو عنه، حتى آمن به وأسلم وعاد مسلما.