هذا هو ما فعله رسول الله بعد أن ضاقت به السبل في مكة ، وضاقت علي المسلمين الأرض بما رحبت ؛ إذ بلغ أذي المشركين لرسول الله غاية قصوي حينما أدميت قدماه، حتى استأذنته الملائكة في أن يطبق الله عليهم الجبلين أو يغرقهم جميعا، فرفض رحمةً منه بهم، (عسي أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله) ، ومن ثم أذن الله له ص ولصحابته بالهجرة، فأمر النبي ص صحابته بأن يسبقوه في ذلك
وبدأ الصحابة يهاجرون واحدا تلو الآخر في خفاء ، وقد حال المشركون بكل قواهم دون هذه الهجرة ، فكانوا يسلبون المهاجر كل ما يملك من أهل ومال، تمّ هذا الأمر مع جميع المسلمين الذين سبقوا الحبيب إلي المدينة ما عدا الفاروق عمر، إذ هاجر علنا بعد أن طاف بالبيت ، وأعلن إنذاره الشديد لمشركي مكة بالهلاك لمن يعترضه ، ومن ثم فما تبعه إلا ضعاف المسلمين يحتمون باحتماه .
من ناحية أخري لما علم المشركون بفعل رسول الله ، اجتمعوا في دار الندوة عليه، واختلفت الآراء ما بين الطرد أو الحبس أو القتل ، واتفقوا بإيعاذ من إبليس علي آخر آرائهم، لكن عناية الله قررت حماية حبيبه ؛ تصديقا لوعده إياه بالأمن في قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس } ومن ثم نقل الله ما دار في الاجتماع إلي النبي ، فقال له: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} .