فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 93

وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:"إن المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها مفسدة ترني في الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها ... وكم من مدبر أمرا لا يتم له على كماله أصلا ولا يجنى منه ثمرة أصلا وهو معلوم مشاهد بين العقلاء فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فإذا كان كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال بخلاف الرجوع إلى ما خالفه"

ثم ذكر الأدلة على ذلك، وملخصها ما يلي:

1)أن المنافع والمضار عامتها إضافية وليست حقيقية أي في حال دون حال أو في وقت دون وقت أو لأشخاص دون آخرين.

2)أن الشريعة جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم لقوله أن إسناد المصالح والمقاصد إلى الناس يعتريه كثير من العوائق فأهواء الناس تؤثر في نظرهم للمصالح والمفاسد، وكذلك تفاوتهم في العقول والإدراك، وكذلك قصور العقل البشري يمنع من ذلك.

والقوانين الغربية خير مثال لهذا، فهم لا يجيزون قطع يد السارق ويعتبرون ذلك مفسدة لأنه مخالف لحقوق الإنسان بزعمهم فنتج عن هذا أن انتشرت السرقات واختل الأمن وامتلأت السجون وأصبحت مدارس للجريمة.

وفي هذا يقول الشاطبي: إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت وقد قال ربنا سبحانه ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن الآية ويقول عليه الصلاة والسلام:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به".

ثانيًا: أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى ومُقدمة عليها، فيجب التضحية بما سواها إذا عارضتها إبقاء لمصلحة الدين.

وبناءً على ذلك فإن أي مصلحة إذا عارضت دليلًا شرعيًا (أي نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس) فإن هذه المصلحة ملغاة ولا اعتبار لها.

يقول ابن تيميه رحمه الله بأنه لا يمكن أن يتعارض النص مع مصلحة حقيقية لكن قد يُعارض مصالح موهومة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت