ومن أمثلة هذا أن بعض الناس قد يظن أن في الربا مصلحة ويُقدم العمل به على النصوص الصريحة المحرمة له، والصواب أن المصلحة في الربا موهومة فهو سبب لفساد النظام المالي وتعاظم التضخم.
ومن الأمثلة أيضًا، الجهاد الذي تعارضت فيه مصلحة النفس مع مصلحة الدين فقدمت مصلحة الدين
ثالثًا: أن لا تلازم بين المصلحة واللذة فقد توجد إحداهما ولا توجد الأخرى، وهذا بخلاف القوانين البشرية التي تربط بينهما.
والدليل على هذا الضابط قوله تعالى:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم"فالنفس تكره الموت في القتال ومع هذا شرعه الله لتحقيق مصلحة الدين.
وكذلك من الأدلة قوله عليه الصلاة والسلام:"تداووا يا عباد الله فما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء"، فشرع الله التداوي وإن كانت النفس تكرهه.
رابعًا: أن الشريعة لا يمكن أن تهمل مصلحة قط، يقول ابن تيميه رحمه الله:"إن الشريعة لا يمكن أن تُهمل مصلحة قط بل إن الله قد أتم لنا الدين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة، إن كان الشارع لا يرد بها، فهي لا تخلو من أحد أمرين:"
أ) أن الشرع قد دل عليه من حيث لم يعرض هذا النوع.
ب) أنه ليس بمصلحة في واقع الأمر وإن اعتقده مصلحة لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة والغالبة، وكثيرًا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى عن الخمر والميسر:"قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"انتهى كلامه رحمه الله.
ومعنى كلام ابن تيميه في الفقرة (أ) ، أن المصلحة قد يكون الشرع قد دل عليها على سبيل العموم والإجمال، وخير مثال على هذا: المصالح المرسلة.
خامسًا: ليس في واقع الأمر إلا مصلحتان، مصلحة معتبرة ومصلحة ملغاة (أي مفسدة) . وقد يشكل على هذا أن بعض الأصوليين يضيف للنوعين السابقين نوعًا ثالثًا هو المصالح المرسلة.
ث) والجواب على هذا أن هذا تقسيم عقلي فقط من حيث الاستدلال، أما في واقع الأمر فليس ثمت إلا مصلحتان: فإما مصلحة معتبرة، أو مصلحة ملغاة، والدليل على ذلك، قوله تعالى:"فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى الله"، فليس هناك سوى طريقان، أحدهما يحقق المصلحة والآخر يجلب المفسدة.