وكذلك المفاسد لأنه ما من أمر إلا يشتمل على مصلحة ومفسدة في آن واحد، وكما قال ابن القيم فإن المصلحة المحضة تكاد تكون معدومة.
قال الشاطبي: فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها -أي مقارنتها- مع المفسدة في حكم الاعتبار فهي المقصودة شرعًا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتبار فرفعها هو المقصود شرعًا ولأجلها وقع النهي. انتهى كلامه.
وقولنا في حكم الاعتبار نعني به في أغلب الأحيان فلا نلتفت للأحوال والحالات الاستثنائية.
والدليل على هذا الضابط، أن الشريعة الإسلامية توازن دومًا بين المصالح والمفاسد، فأيهما غلب فهو المعتبر، ومن أمثلة هذا:
أ) تحريم الخمر والميسر، فإن المفسدة التي فيهما لما كانت غالبة على مصلحتهما اعتبر الأمر بالأغلب، وفي هذا يقول تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
قال ابن كثير في قوله"قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس"أما إثمهما فهو في الدين وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا لا ينهنهنا اللقاء
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها وكان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين ولهذا قال الله تعالى"وإثمهما أكبر من نفعهما"ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات ولم تكن مصرحة بل معرضة.
ب) قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما فتح مكة:"لولا أن قومك حدثاء عهد بكفر لهدمت البيت وبنيته على قواعد إبراهيم وجعلت له بابين، بابًا يخرج الناس منه وبابًا يدخل الناس منه". ووجه الدلالة من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وازن بين المصلحة والمفسدة فترك المصلحة لغلبة المفسدة.
ج) قول النبي لمعاذ: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم، فقال عليه الصلاة والسلام: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لبا يُعذب من لا يُشرك به شيئا، ... فقلت (معاذ) ألا أُبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا، ثم أخبر بها معاذ في آخر حياته تأثمًا (أي خوفًا من كتمان العلم) . متفق عليه