فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 93

ووجه الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع معاذًا من التحديث به لأن المفسدة المترتبة عليه تفوق المصلحة.

د) نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار المنكر على أئمة الجور بالخروج عليهم فقد قال عليه الصلاة والسلام:"سيكون أئمة يؤخرون الصلاة عن وقتها، قيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا".

قال ابن القيم رحمه الله:"إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم ; فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، {وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا، ما أقاموا الصلاة} وقال: {من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته} ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر ; فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه ; فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد ; لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء."

قال رحمه الله: فإنكار المنكر أربع درجات ;

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده

الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته

الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت