قال:"هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه آكلة الربا، وقد ذمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" [1] .
والذي يناسب هذا التشديد أن تكون الكراهة هنا كراهة تحريم كما نص على ذلك ابن عابدين، ولكن الملاحظ أن بعض فقهاء الحنفية ذكر قولًا واحدًا في حكم هذه البيوع هو الكراهة ولم يشر إلى أبي يوسف مما يعني أنه يرجح قول محمد بن الحسن فيها [2] .
فما محل الكراهة؟ وما محل الجواز المنسوب إلى أبي يوسف؟
قال أبن الهمام:"ثم الذي يقع في قلبي أن ما يخرجه الدافع إن فعلت صورة يعود فيها إليه هو أو بعضه كعود الثوب أو الحرير وكعود العشرة في صورة إقراض الخمسة عشر فمكروه، وإلا فلا كراهة" [3] .
أما صاحب الهداية لا يذكر إلا القول بالكراهة في بيوع العينة، وكذلك قال صاحب الدر المختار:"اخترعه أكلة الربا وهو مكروه مذموم شرعًا لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض" [4] .
فالحنفية قالوا بفساد صورة العينة المشهورة وهي من صور"مسألة ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن"فبيوع العينة عند الحنفية فاسدة إذا كان البيع الثاني مشروطًا في البيع الأول لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة
(1) أبن الهمام، الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي الحنفي، إمام من فقهاء الحنفية، مفسر حافظ متكلم، كان معظمًا عند أرباب الدولة. أشتهر بكتابه القيم"فتح القدير"ومن مصنفاته:"التحرير في أصول الفقه"أنظر: الموسوعة الفقهية، ج 1/ ص 335. فتح القدير، قاضي خان، الفتاوى الخانية بهامش الهندية، ط1، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية، 1415هـ، 1995، ج7/ ص212، ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، مرجع سابق، ج4/ ص 279.
(2) المرغيناني، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني، ولد سنة 530 هـ، نسبته إلى"مرغينان"وهي مدينة من فرغانة وراء سيحون وجيحون. من أكابر فقهاء الحنفية. من تصانيفه"منتقى الفروع"و"مختارات النوازل"توفى سنة 593هـ، أنظر: الاعلام، للزركلي، ج5/ ص 73. الهداية شرح بداية المبتدي، ط الآخيرة، القاهرة، مصر: مكتبة الحلبي، د. ت، ج3/ ص 94.
(3) أبن الهمام، فتح القدير، مرجع سابق، ج7/ ص 213.
(4) الحصكفي، محمد علاء الدين، نسبته إلى حصن كيفا، في ديار بكر، وهي الآن بلدة صغيرة يكتب اسمها"حسنكيف"محرفًا. وتعرف اليوم باسم"شرناخ". دمشقي المولد والوفاه، ولد سنة 1025هـ، فقيه حنفي وأصولي، وله مشاركة في التفسير والحديث والنحو. تولى أفتاء الحنفية بدمشق، توفى سنة 1088هـ، من تصانيفه:"الدر المختار شرح تنوير الأبصار"، و"الدر المنتقى شرح ملتقى الأبحر"، و"إفاضة الأنوار شرح المنار"في الأصول. أنظر: الاعلام، للزركلي، ج7/ ص188. الدر المختار، القاهرة، مصر: مطبعة صبيح، د. ط، د. ت، ج4/ ص 279.