فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 53

ولما شعر الغزالي في كتابه"الإحياء"أنه غلا في الثناء على علوم الآخرة, استدرك هذا قائلا ولا تفهمن من غلونا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم (علوم الدنيا من عقلية وتجريبية) , فالمتكفلون بالعلوم كالمتكفلين بالثغور والمرابطين بها, والغزاة المجاهدين في سبيل الله"فهل من درجة أرقى من هذه الدرجة التي وسم بها الغزالي علوم الدنيا, لأنه يصور العلم تصورا لا يفصل بين علوم الدين وعلوم الدنيا, ولذلك صرح بأن:"ظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية, وأن الجمع بينهما غير ممكن, هو ظن صادر عن عمى في عين البصير , كما أن الداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل, والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور , ويوحد بين أمر الدين والآخرة: إن أمر الآخرة والدنيا واحد, وإنما خص باسم الآخرة لتأخره .

لذا فإن تصور الإسلام للعلم وحرية الإنسان فيه على غير تصور الغربيين اليوم للعلم, فكادوا يقصرونه على العلم المادي, وقطعوا صلة العلم بالله?, وبالوجود الأعلى, وجعلوا سند العلم الوحيد هو الإنسان وعقله والوجود الحسي, أما الغزالي فربط الوجود كله بالله, لأن العلم علاقة الإنسان بالطبيعة أو العالم, ولطالما دعا القرآن إلى توطيد هذه العلاقة, ولأن العالم من اختراعه تعالى وإبداعه, والعلم به يؤدي إلى العلم بمبدعه وخالقه, يقول الغزالي: العالم بما فيه من العجائب تصنيف الله وتأليفه وإبداعه واختراعه, والنفس جزء من أجزاء العالم, وكل ذلك من أجزاء العالم مشحون بالعجائب, فلا يزال الباحث عنها مستفيدا زيادة اعتقاد, وتأكيد إيمان, ولذلك حث الله على التفكر في الأنفس والآفاق, وملكوت السموات والأرض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت