فالمطلوب معرفة الموجودات كلها, وكيف يترتب بعضها على بعض: وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره , وهذا سر حرية الإنسان في تفكيره وتأمله في هذه الموجودات, وهذا مفهوم العلم بالمعنى القرآني الشامل للعلم الديني والدنيوي, فهو ليس علما دنيويا خالصا, كما يتصور الدنيويون (العلمانيون) ,و ليس علما دينيا محضا كما يتصوره بعض الناس عندنا.
وهذه هي وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة, فلا فرق بين علم وآخر إلا بقوة برهانه ووثاقته, وقيمة ثمرته ونفعه في حياة الناس, وعدم أذاهم وضررهم به.
ولابد أن نشير هنا إلى بعض الأحداث في تاريخ الحضارة الإسلامية التي خدم أهلها العلوم كلها, وكانوا أساتذة فيها مدة ستة قرون لا ينتج العلم في العالم غيرهم, ولكن حدثت أخطاء تدل على حجب حرية العلماء في بحوثهم وآرائهم, مثل محنة الإمام أحمد بن حنبل في قضية خلق القرآن, وكإحراق كتب ابن حزم, وامتحان بقي بن مخلد
(ت276هـ ) من قبله في الأندلس, مع أنه لم يفعل شيئا سوى أن أتى بمسند ابن أبي شيبة إلى هذا البلد, ورفض التقليد, فأنكر الفقهاء عليه ذلك, وكادوا يفتكون به, لاستقلاله في الرأي وعدم تقليده للإمام مالك, وفتن أيضا أبو بكر بن العربي لأنه حمل إلى الأندلس مؤلفات أبي حامد ودرس عليه, وكاد يقتل, وأحرقت داره ومكتبته, وهو الذي يصف فقهاء الأندلس بأنه قد صار التقليد دينهم, والاقتداء يقينهم, فكلما جاء أحد من المشرق بعلم دفعوا في صدره, وحقروا من أمره, إلا أن يستتر عندهم بالمالكية, ويجعل ما عنده من علوم على رسم التبعية, منهم بقي بن مخلد (...) , وجاء بعلم عظيم, ودين قويم, ولم يكن له أن يرتبط بمذهب أحد... .