تحول التذكير على نحو ما كان عند الحسن البصري من تنبيه الناس إلى معاني التقوى وسبله, والتذكير بآيات الله ومقاصدها الأخلاقية العليا في زكاة النفس وتقواها, إلى القصص الكاذبة والأشعار, وإلى الشطح والطامات, ووضع الخرافات والحكايات والتأويلات التي عظم ضررها, لما في ذلك من عبارات هائلة ليس وراءها إلا الغموض, بل هي غير مفهمومة عند قائليها لصدورها عن خبط وتشويش في عقول أصحابها, ومن ذلك صرف ألفاظ الشرع عن مفهومها إلى أمور باطنية بعيدة عن أوضاع اللغة واستعمالاتها عند العرب, من غير ضرورة تدعو إلى ذلك, ولا سند يستند إليه فيها من شرع أو عقل حصيف. وهذا ما دعاه إلى تأليف كتابه"فضائح الباطنية", ويرجع ذلك إلى الوسط السياسي والأيديولوجي الذي كان يدور الصراع فيه بين الباطنية وغيرهم, مما أدى إلى اغتيال نظام الملك, وتخريب البلاد, وسفك الدماء...
هـ ـ الحكمة
بعد أن كانت الحكمة خيرا وفهما أعطيه الإنسان في القرآن وشؤون الدنيا, وإدراكا لحقائق الأمور, وعملا متقنا مبنيا على نظر صحيح, أصبحت تطلق على المنجم والشاعر والطبيب, حتى على الذي يلعب في الشوارع مدحرجا للعبة وأعواده.
إن الذم لم ينصرف عند الفقهاء إلى بعض العلوم العقلية فحسب, وإنما أصيبت به بعض العلوم الدينية أيضا, ومن ذلك علم الكلام.
ز ـ علم الكلام
كثر الجدل في علم الكلام, وتغير حكمه عند الفقهاء بتغير الظروف, فقد كان بدعة وحراما عند الشافعي ومالك وأحمد وأهل الحديث من السلف عموما, وبالغ الإمام أحمد في ذمه إلى أن هجر الحارث المحاسبي وهو الزاهد الورع, بسبب تأليفه في الكلام, ورده على أهل البدع, وذلك لما فيه من مشاغبات مذمومة مما لم يكن في الصدر الأول.