من إبداعات الغزالي التي تجعله معاصرا لنا, تحليل ه لتطور المفاهيم العلمية في الإسلام, وتحو ل ألفاظ العلوم, وانتقالها من معنى إلى معنى آخر, غير ما كان يقصد بها في العصر الأول, وذلك لتغير بواعث الناس لدراستها, والظروف الاجتماعية التي أحاطت بها من عوامل سياسية ونفسية, وضرب لذلك مثلا بخمسة ألفاظ هي: الفقه, والعلم, والتوحيد, والحكمة, والتذكير, وأشار في تحليله إلى أن العلوم الدينية قد ماتت في عهده بهذا التحول الذي أفقدها روحها وسلبها الغاية منها, فذهبت معانيها الأصلية.
أ ـ الفقه
بعدما كان الفقه فقها للنفس, ومعرفة لآفاتها, وسلوكا وورعا, وتربية ربانية, وعلما بطرق الآخرة, أصبح معرفة الفروع الفقهية الغريبة في الفتاوى, وحفظا للأقوال, وتشعيب القول فيها لنيل مناصب القضاء والولاية والإفتاء والجاه والرئاسة والمال, فذهب روح الفقه ولبه وهو التقوى, وأصبح اشتغالا بالفروع والفتاوى وطلبا للرئاسة والأموال.
وقد هاجم الفقهاء هجوما عنيفا في الإحياء, لتفريغهم الفقه من روحه ومعناه وإماتته.
ب ـ العلم
انتقل العلم من معرفة الله وآياته وأفعاله في خلقه إلى الاشتغال بالمناظرة مع الخصوم في مسائل الفقه وغيرها, فيقال لكثير التشدق بأنه الفحل في العلم, والعالم على الحقيقة, ولو كان لا يحسن سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية.