12 -يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ لَفْظًا بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ , لِمَا فِي الْحَدِيثِ {إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَاكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا , أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا} وَفِيهِ {الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ} . وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ اسْتِحْبَابُ أَذْكَارٍ بِصِيَغٍ مُعَيَّنَةٍ فِيهَا التَّحْمِيدُ عِنْدَ حُصُولِ نِعَمٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَحْمِيدٌ) (وَذِكْرٌ) . وَيَكُونُ الشُّكْرُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِفِعْلِ قُرْبَةٍ مِنْ الْقُرَبِ , وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ يَتَصَدَّقَ مَعَ سُجُودِ الشُّكْرِ أَوْ دُونَهُ. وَقَالَ الْقَلْيُوبِيُّ لَا يَجُوزُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِصَلَاةٍ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً أَوْ يَصْنَعَ دَعْوَةً , وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الدَّعَوَاتِ الَّتِي تُصْنَعُ لِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ النِّعَمِ كَالْوَكِيرَةِ الَّتِي تُصْنَعُ لِلْمَسْكَنِ الْمُتَجَدِّدِ , وَالنَّقِيعَةِ الَّتِي تُصْنَعُ لِقُدُومِ الْغَائِبِ , وَالْحُذَّاقِ وَهُوَ مَا يُصْنَعُ عِنْدَ خَتْمِ الصَّبِيِّ الْقُرْآنَ. وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ , أَنَّ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ مُسْتَحَبَّةٌ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَيْسَ لِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ - يَعْنِي مَا عَدَا وَلِيمَةَ الْعُرْسِ وَالْعَقِيقَةَ - فَضِيلَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا , وَلَكِنْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ , فَإِذَا قَصَدَ بِهَا فَاعِلُهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ , وَإِطْعَامَ إخْوَانِهِ , وَبَذْلَ طَعَامِهِ , فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (دَعْوَةٌ) . وَإِذَا نَذَرَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَصْنَعَ الْقُرْبَةَ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ وَانْدِفَاعِ النِّقْمَةِ فَذَلِكَ نَذْرُ تَبَرُّرٍ , وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (نَذْرٌ) . وَمِمَّا يُسَنُّ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ مِمَّا لَهُ وَقْعٌ أَنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ الْإِنْسَانُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ , وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سُجُودُ الشُّكْرِ) .
ثَانِيًا: شُكْرُ الْعِبَادِ عَلَى الْمَعْرُوفِ:
13 -شُكْرُ الْمُنْعِمِ أَمْرٌ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُقَلَاءُ فِي اسْتِحْسَانِهِ. وَكُلُّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ الشُّكْرُ لِمَنْ أَوْلَاهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لِحَدِيثِ: {مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ} وَحَدِيثِ: {إنَّ أَشْكَرَ النَّاسِ لِلَّهِ أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ} وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى شَكَرَ الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ فَالْعَبْدُ أَوْلَى بِأَنْ يَشْكُرَ لِمَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ , وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالشُّكْرِ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَرَنَ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ لَهُ لِعِظَمِ فَضْلِهِمَا فَقَالَ: {أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك} وَالشُّكْرُ بِالْفِعْلِ هُوَ الْأَصْلُ , بِأَنْ يَجْزِيَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفًا , قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أُولِيَ نِعْمَةً فَلْيَشْكُرْهَا , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُظْهِرْ ثَنَاءً حَسَنًا} . قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أُرِيدَ بِهِ الشُّكْرُ بِالْفِعْلِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ {فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُظْهِرْ ثَنَاءً حَسَنًا} فَإِذَا كَانَتْ النِّعْمَةُ فِعْلًا كَانَ الشُّكْرُ إحْسَانًا مَكَانَ إحْسَانٍ , فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ قَامَ الذِّكْرُ الْحَسَنُ وَالثَّنَاءُ وَالْبِشْرُ مَقَامَهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: {إنَّ نَاسًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ , لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ , وَأَشْرَكُونَا فِي الْمِهْنَةِ , لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ , فَقَالَ: أَمَا مَا دَعَوْتهمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ مُكَافَأَةً أَوْ شِبْهَ الْمُكَافَأَةِ} . وَفِي الْحَدِيثِ: {مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ} . وَمِثْلُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: {مَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ , فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَاتُمُوهُ} وَفِي رِوَايَةٍ: {مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ , وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ , وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ} .
اسْتِدْعَاءُ الشُّكْرِ مِنْ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ:
14 -إنَّهُ وَإِنْ كَانَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مُسْتَحَبًّا إلَّا أَنَّ طَلَبَ مُسْدِي الْمَعْرُوفِ أَنْ يُشْكَرَ عَلَيْهِ خِلَافُ الْأَوْلَى , وَخَاصَّةً فِيمَا مِنْ شَانِهِ أَنْ يُعْمَلَ لِلَّهِ , وَلِذَلِكَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يُحْسِنُ إلَى الضُّعَفَاءِ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ مِنْهُمْ شُكْرًا أَوْ جَزَاءً قَالَ تَعَالَى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا