وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَمَا وَاَللَّهِ مَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ وَلَوْ أَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى الْمَعْرُوفِ لَمْ يَحْرُمْ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ , فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ: أَوَلَا تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْت الْحَقَّ؟ قَالَ الرَّازِيُّ: الْإِحْسَانُ إلَى الْغَيْرِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى , إمَّا طَلَبًا لِمُكَافَأَةٍ , أَوْ طَلَبًا لِحَمْدٍ أَوْ ثَنَاءٍ. وَتَارَةً يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ. وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , وَالْأَخِيرُ هُوَ الشِّرْكُ. أ هـ. وَلَيْسَ هُوَ الشِّرْكَ الْمُخْرِجَ عَنْ الْمِلَّةِ بَلْ هُوَ الشِّرْكُ فِي الْقَصْدِ وَهُوَ يُحْبِطُ الْعَمَلَ الَّذِي أَشْرَكَ بِهِ , دُونَ غَيْرِهِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا. وَأَمَّا إذَا عَمِلَهُ طَلَبًا لِلْمُكَافَأَةِ أَوْ الْحَمْدِ فَلَهُ مَا طَلَبَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ حَرَامًا إلَّا أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ لِلَّهِ وَيُبْطِنَ خِلَافَ ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ رِيَاءً. فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشْكَرَ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا خِلَافًا لِمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فَقَدْ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ
وفي مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله:
فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشكر
وهي من أعلى المنازل وهي فوق منزلة الرضى وزيادة فالرضى مندرج في الشكر إذ يستحيل وجود الشكر بدونه وهو نصف الإيمان كما تقدم والإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر وقد أمر الله به ونهى عن ضده وأثنى على أهله ووصف به خواص خلقه وجعله غاية خلقه وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه وجعله سببا للمزيد من فضله وحارسا وحافظا لنعمته وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته واشتق لهم اسما من أسمائه فإنه سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورا وهو غاية الرب من عبده وأهله هم القليل من عباده قال الله تعالى: ^ واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون ^ [البقرة: 172] وقال: ^ واشكروا لي ولا تكفرون ^ [البقرة: 152] وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ^ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه ^ [النحل: 120121] وقال عن نوح عليه السلام: إنه كان عبداشكورا [الإسراء: 3] وقال تعالى ^ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ^ [النحل: 78] وقال تعالى: ^ واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ^ [العنكبوت: 17] وقال تعالى: ^ وسيجزي الله الشاكرين ^ [آل عمران: 144] وقال تعالى: ^ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ^ [إبراهيم: وقال تعالى: ^ إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ^ [لقمان: 31] وسمى نفسه شاكرا وشكورا وسمى الشاكرين بهذين الاسمين فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا وإعادته للشاكر مشكورا كقوله: ^ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ^ [الإنسان: 22] ورضى الرب عن عبده به كقوله: ^ وإن تشكروا يرضه لكم ^ [الزمر: 7] وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله: ^ وقليل من عبادي الشكور ^ [سبأ: 13] وفي الصحيحين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : أنه قام حتى تورمت قدماه فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: أفلا أكون عبدا شكورا وقال لمعاذ: والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وفي المسند و الترمذي