الصفحة 5 من 282

لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ , فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ , فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ , وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ. وَوَجْهُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا مَا فِيهَا مِنْ تَكْفِيرِ الْخَطَايَا وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ , وَمَا فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ: يَكُونُ الشُّكْرُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أَصَابَهُ , وَسَتْرًا لِلشَّكْوَى , وَرِعَايَةً لِلْأَدَبِ , وَسُلُوكًا لِمَسْلَكِ الْعِلْمِ , لِأَنَّهُ شَاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَنْ رَضِيَ بِقَضَائِهِ. وَلِذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَرِيضِ إنْ سُئِلَ عَنْ حَالِهِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ الشَّكْوَى إلَى طَبِيبٍ. قَالُوا: لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: {إذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍ} قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَانَ أَحْمَدُ أَوَّلًا يَحْمَدُ اللَّهَ فَقَطْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَبِيبُ السُّنَّةِ وَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ صَارَ إذَا سَأَلَهُ قَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك , أَجِدُ كَذَا وَكَذَا.

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى:

10 -يَتَحَقَّقُ شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ بِأُمُورٍ: أَوَّلُهَا: مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ , بِأَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا نِعْمَةٌ , وَيَعْرِفَ قَدْرَهَا وَيَعْرِفَ وَجْهَ كَوْنِهَا نِعْمَةً وَيَسْتَحْضِرَهَا فِي الذِّهْنِ وَيُمَيِّزَهَا , إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ تُحْسِنُ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي. وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: {اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاَللَّهِ , أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِأَنَّ النِّعَمَ مِنْهُ , لَمْ يُتَصَوَّرْ شُكْرُهُ لَهُ , وَإِذَا عَرَفَ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ أَحَبَّهُ عَلَيْهَا. وَالثَّالِثُ: قَبُولُ النِّعْمَةِ بِإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهَا , وَمَعْرِفَةِ أَنَّ وُصُولَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْ الْعَبْدِ وَلَا بَذْلِ ثَمَنٍ بَلْ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا , وَعَدَمُ كِتْمَانِهَا فَإِنَّ كِتْمَانَهَا كُفْرَانٌ لَهَا , وَالثَّنَاءُ إمَّا عَامٌّ كَوَصْفِهِ تَعَالَى بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ , وَإِمَّا خَاصٌّ وَهُوَ التَّحَدُّثُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ وَإِسْنَادُ التَّفَضُّلِ بِهَا إلَى الْمُنْعِمِ بِهَا , وَحَمْدُهُ عَلَيْهَا , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ} وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ} . وَالْخَامِسُ: تَرْكُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا يَكْرَهُهُ الْمُنْعِمُ بِهَا , وَالْعَمَلُ بِمَا يُرْضِيهِ فِيهَا. وَالسَّادِسُ: فِعْلُ الطَّاعَاتِ شُكْرًا عَلَى النِّعَمِ , كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً. . .} الْآيَةَ وَوَرَدَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَك؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا} ؟. 11 - وَضِدُّ شُكْرِ النِّعَمِ الْكُفْرَانُ بِهَا , وَهُوَ غَيْرُ الْكُفْرِ الْمُخْرِجِ عَنْ الْمِلَّةِ , وَيُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ"كُفْرُ النِّعْمَةِ". فَمِنْ وُجُوهِ الْكُفْرِ بِهَا أَنْ لَا يَعْرِفَ النِّعْمَةَ , أَوْ أَنْ يَبْخَسَهَا حَقَّهَا مِنْ التَّقْدِيرِ. وَمِنْهَا أَنْ يُنْكِرَ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى , أَوْ يَنْسِبَهَا إلَى غَيْرِ الْمُتَفَضِّلِ بِهَا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ إذْ يَشْكُرُونَ أَنْدَادَهُمْ وَأَصْنَامَهُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ , وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: {مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ} . وَمِنْهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَصَّلَ مَا حَصَّلَ مِنْ النِّعَمِ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ , أَوْ كَمَا قَالَ قَارُونُ {إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} . وَمِنْهَا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ النِّعَمِ حَصَلَ بِاسْتِحْقَاقٍ لَهُ عَلَى اللَّهِ , لَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: تَرْكُ الثَّنَاءِ بِهَا عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا وَتَرْكُ التَّحَدُّثِ بِهَا , وَكَذَلِكَ كِتْمَانُهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا النَّاسُ لِحَدِيثِ {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ} . وَقَيَّدَ الْحَلِيمِيُّ هَذَا بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ احْتِيَاطٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا: التَّعَالِي بِهَا عَلَى سَائِرِ عِبَادِ اللَّهِ وَالزَّهْوُ وَالْمُكَاثَرَةُ وَالْبَغْيُ وَالْمُفَاخَرَةُ. وَمِنْهَا: اسْتِعْمَالُهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَمَنْعُ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا.

الشُّكْرُ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت