وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ. و - قِلَّةُ الْمُتَّصِفِينَ بِكَثْرَةِ الشُّكْرِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: قِلَّةُ أَهْلِ الشُّكْرِ فِي الْعَالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَاصُّ اللَّهِ تَعَالَى. ز - مَا وَرَدَ مِنْ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ أَنْ يُلْهِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى شُكْرَ نِعَمِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا كَقَوْلِ سُلَيْمَانَ: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {رَبِّ اجْعَلْنِي لَك شَكَّارًا} وَأَوْصَى مَنْ يُحِبُّهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ عَلَى شُكْرِهِ فَقَالَ: {يَا مُعَاذُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك. . أُوصِيك يَا مُعَاذُ , لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك} . ح - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ الشُّكْرَ بِالصَّبْرِ فَقَالَ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ , فَالشُّكْرُ عَلَى النِّعَمِ أَوْ زَوَالِ النِّقَمِ , وَالصَّبْرُ عِنْدَ زَوَالِ النِّعَمِ أَوْ حُلُولِ الْبَلَاءِ. وَلِأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الطَّاعَةِ عَيْنُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: {الْإِيمَانُ نِصْفَانِ فَنِصْفٌ فِي الصَّبْرِ وَنِصْفٌ فِي الشُّكْرِ} وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مَوْقُوفًا.
مَا يَكُونُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ:
وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: 7 - الْأَوَّلُ: الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى الشَّاكِرِ , وَالْعَبْدُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ إنَّمَا هُوَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى , وَقَدْ نَبَّهَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ} وَكَثِيرٌ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَارِدَةٌ فِي تَعْدَادِ تِلْكَ النِّعَمِ بِالتَّفْصِيلِ , وَفِي لَفْتِ الْأَنْظَارِ إلَى وُجُوهِ اللُّطْفِ فِيهَا , وَإِلَى الِاعْتِبَارِ بِهَا , وَبَيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا وَضَعَهَا لِيَبْتَلِيَ بِهَا الْإِنْسَانَ هَلْ يَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ. فَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الْأَرْضِ فِرَاشًا وَالسَّمَاءِ بِنَاءً وَالشَّمْسِ ضِيَاءً وَالْقَمَرِ نُورًا وَتَقْدِيرِ الْأَقْوَاتِ فِي الْأَرْضِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ مِنْ السَّمَاءِ شَرَابًا وَإِنْبَاتِ الزَّرْعِ فِيهَا وَسَائِرِ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُ الْإِنْسَانِ , وَخَلْقِ الْأَنْعَامِ وَمَا جَعَلَهُ فِيهَا لِلنَّاسِ مِنْ مَنَافِعَ مِنْ لَحْمِهَا وَلَبَنِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَرُكُوبِهَا وَالتَّجَمُّلِ بِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَخَلْقِ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ لِتَكُونَ وَسَائِلَ لِلْإِدْرَاكِ , وَتَعْلِيمِ الْإِنْسَانِ الْبَيَانَ. وَمِنْ ذَلِكَ نِعْمَةُ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى طُرُقِ الْإِيمَانِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا نِعَمٌ عَامَّةٌ لَمْ يُخَصَّ بِهَا مُؤْمِنٌ مِنْ كَافِرٍ. وَمِنْهَا نِعَمٌ خَاصَّةٌ وَأَعْظَمُهَا التَّوْفِيقُ لِلْإِيمَانِ وَالِاهْتِدَاءُ لِلْحَقِّ وَالتَّيْسِيرُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ , لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْخَلَاصِ مِنْ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالتَّحْصِيلِ لِنِعَمِ اللَّهِ فِيهَا. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَأَوْلَى النِّعَمِ بِالشُّكْرِ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ بِالْإِيمَانِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الْحَقِّ , وَالتَّوْفِيقِ لِقَبُولِهِ , لِأَنَّهُ هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي لَيْسَ بِتَابِعٍ لِمَا سِوَاهُ , وَكُلُّ غَرَضٍ سِوَاهُ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ , وَالتَّيْسِيرُ لَهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَقْتَضِي الشُّكْرَ لَهَا بِالِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي وَإِتْبَاعِ الْإِيمَانِ حُقُوقَهُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَلِكُلِّ عَهْدٍ وَفَاءٌ. وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَتْلُو الْإِيمَانَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ فَهُوَ شُكْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى , وَالتَّيْسِيرُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نِعْمَةٌ يَجِبُ شُكْرُهَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. 8 - النَّوْعُ الثَّانِي: الشُّكْرُ عَلَى دَفْعِ النِّقَمِ سَوَاءٌ انْدَفَعَتْ عَنْهُ أَوْ عَنْ نَحْوِ وَلَدِهِ أَوْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَذَهَابِ مَرَضٍ أَوْ انْحِسَارِ طَاعُونٍ أَوْ عَدُوٍّ , وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُخْشَى ضَرَرُهُ كَغَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ وَمِنْهُ قَوْلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} . وَاحْتَجَّ النَّوَوِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إلَيْهِمَا , فَأَخَذَ اللَّبَنَ , فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاك لِلْفِطْرَةِ , لَوْ أَخَذْت الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُك} . وَإِذَا رَأَى السَّلِيمُ مُبْتَلًى فِي عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ , سُنَّ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْعَافِيَةِ , لِمَا وَرَدَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ} . وَوَرَدَ أَنَّ السَّلِيمَ يَقُولُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ} . النَّوْعُ الثَّالِثُ: الشُّكْرُ عِنْدَ الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ الْبَلْوَى وَالْمَصَائِبِ وَالْآلَامِ: 9 - وَهُوَ مَشْرُوعٌ , لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ