الصفحة 3 من 282

بِالْحُسْنِ فَقَدْ مَدَحَهَا , وَالْمَدْحُ عَلَى الْإِحْسَانِ يَكُونُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ , وَلَا يَكُونُ الشُّكْرُ إلَّا بَعْدَهُ. ب - الْحَمْدُ: 3 - الْحَمْدُ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ , وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ. فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ الشُّكْرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ أَسْدَاهَا الْمَشْكُورُ إلَى الشَّاكِرِ خَاصَّةً , وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ , وَيَكُونُ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَصْلًا بَلْ لِمُجَرَّدِ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ وَالْفَضَائِلِ. فَلَا يُقَالُ: شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ , وَيُقَالُ: حَمِدْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ , كَمَا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى إحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ , وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ الْحَمْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ , وَالْحَمْدَ لَيْسَ إلَّا بِاللِّسَانِ , فَيَجْتَمِعُ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى النِّعْمَةِ , وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِي الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ وَنَحْوِهَا , وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: {الْحَمْدُ رَاسُ الشُّكْرِ فَمَنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ} .

(أَحْكَامُ الشُّكْرِ) :

4 -الشُّكْرُ نَوْعَانِ , شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى , وَشُكْرٌ لِعِبَادِ اللَّهِ. أَوَّلًا: شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى: (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) : 5 - شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ , فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْحَلِيمِيُّ لِذَلِكَ بِالْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ , نَحْوِ قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . ثُمَّ قَالَ الْحَلِيمِيُّ: فَثَبَتَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا وُجُوبُ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ لِنِعَمِهِ السَّابِغَةِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ احْتَجَّ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ} قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَنْ النَّعِيمِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ عَنْ شُكْرِهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ هَلْ وَجَبَ بِالْعَقْلِ ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ مُقَرِّرًا لِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَجِبْ إلَّا بِالشَّرْعِ.؟. فَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ مُعْظَمُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَصَّ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَجَالَ لَهُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ مِنْ إثْبَاتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَتُنْظَرُ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ. وَقَالَ الرَّازِيُّ عِنْدَ قوله تعالى: {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} الْمُرَادُ مِنْ الشَّاكِرِ الَّذِي يَكُونُ مُقِرًّا مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ , وَمِنْ الْكَفُورِ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِذَلِكَ إمَّا لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْخَالِقَ أَوْ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ شُكْرِهِ. وَالْإِكْثَارُ مِنْ الشُّكْرِ مُسْتَحَبٌّ. وَلِلشُّكْرِ مَوَاضِعُ يُنْدَبُ فِيهَا كَحَمْدِ اللَّهِ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَلْبَسِ. (وَانْظُرْ: تَحْمِيدٌ) .

(فَضْلُ الشُّكْرِ) :

6 -وَرَدَتْ الشَّرِيعَةُ بِإِثْبَاتِ فَضْلِ الشُّكْرِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ , مِنْهَا: أ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى فِي كِتَابِهِ عَلَى أَهْلِ الشُّكْرِ وَوَصَفَ بِذَلِكَ بَعْضَ خَوَاصِّ خَلْقِهِ , فَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} وَقَالَ عَنْ نُوحٍ عليه السلام: {إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} . ب - إنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ الْهَدَفَ مِنْ تَفَضُّلِهِ بِالنِّعَمِ , قَالَ تَعَالَى: {وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وَقَالَ فِي شَانِ تَسْخِيرِهِ الْأَنْعَامَ: {كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} . ج - أَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ فَقَالَ: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} وَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نَفْعِ شُكْرِهِمْ بَلْ نَفْعُهُ لَهُمْ , قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} . د - أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِنْ النِّعَمِ , فَقَالَ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} هـ - أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ شَاكِرًا شَكُورًا , بِأَنْ يَقْبَلَ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ وَيُثْنِيَ عَلَى فَاعِلِهِ , قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} . وَقَالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت