الصفحة 10 من 282

والجماعة رحمة والفرقة عذاب والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال مجاهد: هي النبوة قال الزجاج: أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله وقال الكلبي: هو القرآن أمره أن يقرأه والصواب: أنه يعم النوعين إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها وإظهارها من شكرها قوله: وهو أيضا من سبل العامة يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل بل الشكر سبيل رسل الله وأنبيائه صلى الله عليهم وسلم أجمعين أخص خلقه وأقربهم إليه ويا عجبا! أي مقام أرفع من الشكر الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل وغيرها فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى ولكن الشيخ وأصحاب الفناء كلهم يرون أن فوق هذا مقاما أجل منه وأعلى لأن الشكر عندهم يتضمن نوع دعوى وأنه شكر الحق على إنعامه ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه لم يتخلص عنها ويفرغ منها فلو فني عنها بتحققه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل علم أن الشكر من منازل العامة ولو أن السلطان كسا عبدا من عبيده ثوبا من ثيابه فأخذ يشكر السلطان على ذلك: لعد مخطئا مسيئا للأدب فإنه مدع بذلك مكافأة السلطان بشكره فإن الشكر مكافأة والعبد أصغر قدرا من المكافأة والشهود للحقيقة يقتضي اتحاد نسبة الأخذ والعطاء ورجوعها إلى وصف المعطي وقوته فالخاصة يسقط عندهم الشكر بالشهود وفي حقهم ما هو أعلى منه هذا غاية تقرير كلامهم وكسوته أحسن عبارة لئلا يتعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير ونحن معنا العصمة النافعة: أن كل أحد غير المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك وكل سبيل لا يوافق سبيله فمهجور غير مسلوك فأما تضمن الشكر لنوع دعوى فإن أريد بهذه الدعوى إضافة البعد الفعل إلى نفسه وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته ومنته على عبده: فلعمر الله هذه علة مؤثرة ودعوى باطلة كاذبة وإن أريد: أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه وإذنه له به ومشيئته عليه ومنته فشهد عبوديته وقيامه بها وكونها بالله فأي دعوى في هذا وأي علة نعم غايته: أنه لا يجامع الفناء ولا يخوض تياره فكان ماذا فأنتم جعلتم الفناء غاية فأوجب لكم ما أوجب وقدمتموه على ما قدمه الله ورسوله فتضمن ذلك تقديم ما أخر وتأخير ما قدم وإلغاء ما اعتبر واعتبار ما ألغى ولولا منة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرسالة والتقيد بالشرع لكان أمرا غير هذا كما جرى لغير واحد من السالكين على هذه الطريق الخطرة فلا إله إلا الله كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد وأما قولكم: إن الشاكر فيه بقية من بقايا رسمه فيقال: إذا كانت هذه البقية محض العبودية ومركبها والحاملة لها: فأي نقص في هذا فإن العبودية لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بهذا الرسم فلا نقص في حمل العبودية عليه والسير به إلى الله عز وجل نعم النقص كل النقص: في حمل النفس والشهوة والحظ المخالف لمراد الرب تعالى الديني بني على هذا الرسم والسير به إلى النفس ولعل العامل على الفناء بهذه المثابة وهو ملبوس عليه فالعارف يستقصى التفتيش عن كمائن النفس وأما قولكم: من لم يكن كيف يشكر من لم يزل فهذا بالشطح أليق منه بالمعرفة فإن من لم يزل إذا أمر من لم يكن بالشكر ورضيه منه وأحبه وأثنى عليه به واستدعاه واقتضاه منه وأوجب له به المزيد وأضافه إليه واشتق منه له الاسم وأوقع عليه به الحكم وأخبر أنه غاية رضاه منه وأمره مع ذلك أن يشهد أن شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه: فهذا شكر من لم يكن لمن يزل وهو محض العبودية وأما ضربكم مثل كسوة السلطان لعبده وأخذه في الشكر له مكافأة: فهذا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت