وقيل: من كتم النعمة فقد كفرها ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها وهذا مأخوذ من قوله: إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده وفي هذا قيل:
ومن الرزية: أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق
وأرى الصنيعة منك ثم أسرها إني إذا لندى الكريم لسارق
فصل وتكلم الناس في الفرق بين الحمد و الشكر أيهما أعلى وأفضل وفي
الحديث: الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته و الحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب ومعنى هذا: أن الشكر يكون: بالقلب خضوعا واستكانة وباللسان ثناء واعترافا وبالجوارح طاعة وانقيادا ومتعلقه: النعم دون الأوصاف الذاتية فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله والشكر يكون على الإحسان والنعم فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان
فصل قال صاحب المنازل: الشكر: اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى
معرفة المنعم ولهذا سمى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن: شكرا فمعرفة النعمة: ركن من أركان الشكر لا أنها جملة الشكر كما تقدم: أنه الاعتراف بها والثناء عليه بها والخضوع له ومحبته والعمل بما يرضيه فيها لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم الذي يستحيل وجود الشكر بدونه: جعل أحدهما اسما للآخر قوله: لأنه السبيل إلى معرفة المنعم يعني أنه إذا عرف النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها وهذا من جهة معرفة كونها نعمة لا من أي جهة عرفها بها ومتى عرف المنعم أحبه وجد في طلبه فإن من عرف الله أحبه لا محالة ومن عرف الدنيا أبغضها لا محالة وعلى هذا: يكون قوله: الشكر اسم لمعرفة النعمة مستلزما لمعرفة المنعم ومعرفته تستلزم محبته ومحبته تستلزم شكره فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر باللفظ ونبه على سائرها باللزوم وهذا من أحسن اختصاره وكمال معرفته وتصوره قدس الله روحه قال: ومعاني الشكر ثلاثة أشياء: معرفة النعمة ثم قبول النعمة ثم الثناء بها وهو أيضا من سبل العامة أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها فمعرفتها: تحصيلها ذهنا كما حصلت له خارجا إذ كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري فلا يصح من هذا الشكر قوله: ثم قبول النعمة قبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ولا بذل ثمن بل يرى نفسه فيها كالطفيلي فإن هذا شاهد بقبولها حقيقة قوله: ثم الثناء بها الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة نوعان: عام وخاص فالعام: وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ونحو ذلك والخاص: التحدث بنعمته والإخبار بوصولها إليه من جهته كما قال تعالى: ^ وأما بنعمة ربك فحدث ^ [الضحى: 11] وفي هذا التحديث المأمور به قولان أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها وقوله: أنعم الله علي بكذا وكذا قال مقاتل: يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة: من جبر اليتيموالهدى بعد الضلال والإغناء بعد العيلة والتحدث بنعمة الله شكر كما في حديث جابر مرفوعا: من صنع إليه معروف فليجز به فإن لم يجد ما يجزي به فليثن فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النعمة المثني بها والجاحد لها والكاتم لها والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها فهو متحل بما لم يعطه وفي أثر آخر مرفوع: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر