الصفحة 11 من 282

أبطل الأمثلة عقلا ونقلا وفطرة وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: إن شكر المنعم لا يجب عقلا ما قال ذلك حتى زعم أن شكره قبيح عقلا ولولا الشرع لما حسن الإقدام عليه وضرب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه وهذا من القياس الفاسد المتضمن قياس الخالق على المخلوق وبمثله عبدت الشمس والقمر والأوثان إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يهجم عليه بغير وسائل ووسائط وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبد وأهل النظر والبحث والمعصوم من عصمه الله فيقال: الفرق من وجوه كثيرة جدا تفوت الحصر منها: أن الملك محتاج فقير إلى من أنعم عليه لا يقوم ملكه إلا به فهو محتاج إلى معاوضة بتلك الكسوة مثلا خدمة له وحفظا له وذبا عنه وسعيا في تحصيل مصالحه فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة فإذا أخذ في شكره فكأنه جعل ذلك ثمنا لنعمته وليس بثمن لها وأما إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه وتفضل عليه ومجرد امتنان لا لحاجة منه إليه ولا لمعاوضة ولا لاستعانة به ولا ليتكثر به من قلة ولا ليتعزر به من ذلة ولا ليقوى به من ضعف سبحانه وبحمده وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه وإحسان منه إليه إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة لا إلى الله والعبد هو الذي ينتفع بشكره كما قال تعالى: ^ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ^ [لقمان: 12] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى فلا يذم ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به ولا يستطيع شكره فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر لا أنه مكافىء به لنعم الرب فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافىء نعمه أبدا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه فإنه تعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه فلا يستطيع أحد أن يحصى ثناء عليه فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه تحتاج إلى شكر آخر وهلم جرا ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم بره وكرمه وجوده: محبته له على هذا الشكر ورضاه منه به وثناؤه عليه به ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد لا تعود منفعته على اللهوهذا غاية الكرم الذى لا كرم فوقه ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة ويرضى عنك بذلك ثم يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببا لتوالي نعمه واتصالها إليك والزيادة على ذلك منها وهذا الوجه وحده يكفي اللبيب ليتنبه به على ما بعده وأما كون الشهود يسقط الشكر: فلعمر الله إنه إسقاط لحق المشكور بحظ الشاهد نعم بحظ عظيم متعلق بالحق عز وجل لا حظ سفلي متعلق بالكائنات ولكن صاحبه قد سار من حرم إلى حرم وكان يقع لي هذا القدر منذ أزمان ولا أتجرأ على التصريح به لأن أصحابه يرون من ذكرهم به بعين الفرق الأول فلا يصغون إليهم ألبتة لا سيما وقد ذاقوا حلاوته ولذته ورأوا تخبيط أهل الفرق الأول وتلوثهم بنفوسهم وعوالمها وانضاف إلى ذلك: أن جعلوه غاية فتركب من هذه الأمور ما تركب وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء

فصل قال: وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى: الشكر على المحاب

وهذا شكر تشاركت فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ومن سعة رحمة الباري سبحانه: أن عده شكرا ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة إذا علمت حقيقة الشكر وأن جزء حقيقته: الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته: علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست لغيرهم نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها كالاعتراف بالنعمة والثناء على المنعم بها فإن جميع الخلق في نعم الله وكل من أقر بالله ربا وتفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر وهو الاستعانة بها على مرضاته وقد كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه إن أقل ما يجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت