الصفحة 9 من 226

وهكذا حال الطالبين لمعرفة الله، والمريدين له، والسائرين إليه، قد عرفوا /وجوده أولا وهم يطلبون معرفة صفاته، أو مشاهدة قلوبهم له في الدنيا. فيسلكون الطريق الموصلة إلى ذلك بالإيمان والقرآن.

فالإيمان: نظير سلوك الرجل الطريق التي وصفها له السالكون، فإنهم متفقون على ذلك.

والقرآن: تصديق الرسل فيما تخبر به، وهو نظير اتباع الدليل منزلة منزلة، ولابد في طريق الله منهما.

وأما الشيء الذي لم يعلم العقل ثبوته أولا، إذا سلك طريقا يفضي إلى العلم به - فلا يسلكها ابتداء إلا بطريق التقليد والمصادرة - كسائر مبادئ العلوم - فإذا كان لابد في الطريقة القياسية، والعملية، من تقليد في الأول ـ في سلوكه فيما لم يعلم أنه طريق، وأنه مفض إلى المطلوب ـ أو أن المطلوب موجود، فالطريقة الإيمانية ـ إذا فرض أنها كذلك ـ لم يقدح ذلك فيها، بل تكون هي أحق، لوجوه كثيرة.

ونذكر بعضها إن شاء الله.

بل لا طريق إلا هي أو ما يفضي إليها، أو يقترن بها فهي شرط قطعًا في درك المطلوب، وما سواها ليس بشرط، بل يحصل المطلوب دونه وقد يضر بحصول المطلوب فلا يحصل، أو يحصل نقيضه وهو الشقاء الأعظم على التقديرين، فتلك الطريق مفضية قطعًا ولا فساد فيها، وما سواها يعتريه الفساد كثيرًا، وهو لا يوصل وحده، بل لابد من الطريقة الإيمانية.

/الوجه الثاني في الجواب: أن الطريقة القياسية، والرياضية، إذا سلكها الرجل وأفضت به إلى المعرفة - إن أفضت - علم حينئذ أنه سلك طريقا صحيحا وأن مطلوبه قد حصل، وأما قبل ذلك فهو لا يعرف، فأدني أحوال الإيمانية - ولا دناءة فيها - أن تكون كذلك. فإنه إذا أخذ الإيمان بالله ورسله مسلما، ونظر في موجبه، وعمل بمقتضاه، حصل له بأدني سعي مطلوبه من معرفة الله، وأن الطريق التي سلكها صحيحة، فإن نفس تصديق الرسول فيما أخبر به عن ربه وطاعته، يقرر عنده علمًا يقينيًا بصحة ذلك أبلغ بكثير مما ذكر أولا.

الوجه الثالث: أن الإقرار بالله قسمان: فطري، وإيماني. فالفطري: ـ وهو الاعتراف بوجود الصانع - ثابت في الفطرة. كما قرره الله في كتابه في مواضع وقد بسطت القول فيه في غير هذا الموضع. فلا يحتاج هذا إلى دليل، بل هو أرسخ المعارف، وأثبت العلوم، وأصل الأصول.

وأما الإقرار بالرسول، فبأدني نظر فيما جاء به، أو في حاله، أو في آياته، أو نحو ذلك من شؤونه يحصل العلم بالنبوة، أقوى بكثير مما يحصل المطالب القياسية، والوجدية، في الأمور الإلهية. ثم إذا قوي النظر في أحواله حصل من اليقين الضروري الذي لا يمكن دفعه ما يكون أصلا راسخا. وبسط هذا مذكور في غير هذا الموضع؛ إذ المقصود هنا بيان خطأ من سلك طريق القياس، أو الرياضة، دون الإيمان ابتداء. وأما تقرير طريقة الإيمان فشأنه عظيم، أعظم مما كتبته هنا.

الوجه الرابع: أنا نخاطب المسلمين المتسمين بالإيمان، الذين غرض أحدهم/ معرفة الله الخاصة، التي يمتاز بها العلماء والعارفون عن العامة، فيسلك بعضهم طريقة أهل القياس المبتدع، والفلاسفة والمتكلمين، وبعضهم طريقة أهل الرياضة والإرادة المبتدعة، من المتفلسفة والمتصوفه، معرضا عما جاء به الرسول في تفاصيل هذه الأمور، فإن هؤلاء إذا كانوا عالمين بصدق الرسول - المبلغ عن ربه، الهادي إليه، الداعي إليه، الذي أكمل له الدين، وأنزل عليه الكتاب تبيانًا لكل شيء - كيف يدعون الاستدلال بما جاء به، والاقتداء به، إلى ما ذكر من الطريقين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت