الصفحة 8 من 226

وإما رجل قذف اللّه في قلبه من نوره وهدايته الخاصة ما أشهده شيئا من الخصوصيات، التي هي أعيان تلك الأسماء والصفات، فيعلم ذلك لا بمجرد القياس، ولا بمجرد الوجد بل بشهود علمي مطابق لما أخبرت به الرسل، وتدله على صحة شهوده موافقته لما أنبأت به الرسل، ويحصل له نصيب من النبوة، فإن النبوة انقطعت بكمالها، وأما وجود بعض أجزائها فلم ينقطع. ولابد أن يكون في بعض الأمور محجوبا عن أن يشهد ما شهده النبي، فيصدقه فيه، لشهوده بعض ما أخبر به النبي، ويبقى ما شهده محققا عنده لثبوت ما لم يشهده، وهذه حال الصديقين مع الأنبياء.

/وذلك نظير من وصف له ملك مدينة، بأنواع من الصفات، فقدم حتى رأى بعض شؤونه التي دلته على صدق المخبر فيما لم يشهد. ولست أجعل مجرد هذه الشهادة مصدقة، فإن المخبر قد يصدق في بعض، ويخطئ في بعض، وإنما ذلك بواسطة إخبار المخبر - أي رسول الله - وشهوده منه ما يوجب له امتناع الكذب عليه، كما يذكر في غير هذا الموضع.

فإن قلت: فمن أين له ابتداء صحة الإيمان بالله ورسوله، حتى يصير ذلك أصلا يبني عليه، وينتقل معه إلى ما بعده؟ فأهل القياس والوجد إنما تعبوا التعب الطويل ـ في تقرير هذا الأصل ـ في نفوسهم، ولهذا يسمي المتكلمون كل ما يقرر الربوبية والنبوة: العقليات والنظريات، ويسميها أولئك: الذوقيات، والوجديات، ورأوا أن ما لا يتم معرفة الله ورسوله إلا به فمعرفته متقدمة على ذلك، وإلا لزم الدور. فسموا تلك عقليات، والعقليات لا تنال إلا بالقياس العقلي المنطقي.

قلت: جواب هذا من وجوه:

أحدها: المعارضة بالمثل، فإن سالك سبيل النظر القياسي، أو الإرادة الذوقية، من أين له ابتداء أن سلوك هذا الطريق يحصل له علما، ومعرفة، ليس معه ابتداء إلا مجرد إخبار مخبر بأنه سلك هذا الطريق فوصل، أو خاطر يقع في قلبه سلوك هذا الطريق، إما مجوزا للوصول أو متحريا أو غير ذلك، أو سلوكا ابتداء بلا انتهاء، وليس ذلك مختصا بالعلم الإلهي، بل كل العلوم لابد للسالك فيها ابتداء من مصادرات يأخذها مسلمة إلى أن تتبرهن فيما بعد.

/إذا لو كان كل طالب العلم حين يطلبه قد نال ذلك العلم، لم يكن طالبا له، والطريق التي يسلكها قد يعلم أنها تفضي به إلى العلم.

لكن الكلام في أول الأوائل، ودليل الأدلة، وأصل الأصول. فإنه لو كان حين ينظر فيه يعلم أنه دليل مفض لم يمكن ذلك حتى يعلم ارتباطه بالمدلول، فإن الدليل إن لم يستلزم المدلول لم يكن دليلًا.

والعلم بالاستلزام موقوف على العلم بالملزوم واللازم، فلا يعلم أنه دليل على المدلول المعين، حتى يعلم ثبوت المدلول المعين، ويعلم أنه ملزوم له، وإذا علم ذلك استغنى عن الاستدلال به على ثبوته، وإنما يفيده التذكير به، لا ابتداء العلم به، وإنما يقع الاشتباه هنا؛ لأنه كثيرًا ما يعرف الإنسان ثبوت شيء، ثم يطلب الطريق إلى معرفة صفاته، ومشاهدة ذاته، إما بالحس، وإما بالقلب، فيسلك طريقا يعلم أنها موصلة إلى ذلك المطلوب؛ لأنه قد علم أن تلك الطريق مستلزم لذلك المطلوب الذي علم ثبوته قبل ذلك.

كمن طلب أن يحج إلى الكعبة، التي قد علم وجودها، فيسلك الطريق التي يعلم أنها تفضي إلى الكعبة، لإخبار الناس له بذلك، أو يستدل بمن يعلم أنه عارف بتلك الطريق، فسلوكه للطريق بنفسه بعد علمه أنها طريق ـ المقصود ـ بإخبار الواصلين، أو سلوكه بدليل خريت ـ يهديه في كل منزلة ـ لا يكون إلا بعد العلم بثبوت المطلوب، وثبوت أن هذا طريق ودليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت