مراتب ذهنية شكوكية. وأما في الحقيقة: فليس إلا عين ذاته، فالمحجوبون يرون المراتب والمكاشف ما ترى إلا عين الحق.
ويحسبون ـ ويحسب كثير بسببهم ـ أن هذا التوحيد هو توحيد الصديقين، الذين عرفوا الله، وقالوا:
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل **
كما يحسب المتكلم الزائغ أن توحيده - الذي هو نفي الصفات - هو توحيد الأنبياء، والصديقين، الذين عرفوا الله؛ ولهذا يقع في هؤلاء الشركُ كثيرا، حتى يسجد بعضهم لبعض، كما يقع في القسم الآخر تحريم الحلال من العقود، والعبادات المباحة.
فاقتسم الفريقان: ما ذم الله به المشركين، من الشرك، وتحريم الحلال. . . وهكذا يوجد كثيرًا في هؤلاء المشبهة للنصارى. وظهر في الآخرين من الآصار، والأغلال، وجحود الحق، وقسوة القلوب ما يوجد كثيرا في هؤلاء المشبهة لليهود.
هذا في غير الغالية منهم، وأما الغالية من الصنفين، فعندهم أن معرفتهم وحالهم فوق معرفة الأنبياء وحالهم. كما يقول التلمساني: القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله.
/وكما يزعم الفارابي: أن الفيلسوف أكمل من النبي، وإنما خاصة النبي جودة التخييل للحقائق، إلي أنواع من الزندقة والكفر، يلتحقون فيها بالإسماعيلية، والنصيرية، والقرامطة، والباطنية، ويتبعون فرعون، والنمروذ وأمثالهما من الكافرين بالنبوات، أو النبوة والربوبية.
وهذا كثير جدًا في هؤلاء وهؤلاء، وسبب ذلك عدم أصل في قلوبهم، وهو الإيمان بالله، والرسول. فإن هذا الأصل إن لم يصحب الناظر، والمريد، والطالب، في كل مقام، وإلا خسر خسرانا مبينا، وحاجته إليه كحاجة البدن إلى الغذاء، أو الحياة إلى الروح.
فالإنسان بدون الحياة والغذاء لا يتقوم أبدًا، ولا يمكنه أن يَعلم، ولا أن يُعلم.
كذلك الإنسان بدون الإيمان بالله ورسوله لا يمكنه أن ينال معرفة الله، ولا الهداية إليه، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبًا، وهو حال الكافرين بالله ورسوله، ومع الإيمان بالله ورسوله إذا نظر، واستدل، كان نظره في دليل وبرهان - وهو ثبوت الربوبية، والنبوة - وإذا تجرد وتصفى، كان معه من الإيمان ما يذوقه بذلك ويجده.
ثم هذا النظر، وهذا الذوق يجتلب له ما وراء ذلك من أنواع المعالم الربانية، والمواجيد الإلهية. والعلم والوجد متلازمان.
وذلك، أن الأنبياء والمرسلين عرفوا الله بالوحي المعرفة التي هي معرفة، وعبدوه العبادة التي هي حق له بحسب ما منحهم الله تعالى.
وهم درجات في ذلك، لكن عرفوا من خصوص الربوبية ما لا يقوم به/ مجرد القياس النظري، ولا يناله مجرد الذوق الإرادي، ثم أخبروا عن ذلك.
ولابد في الوصف والإخبار من أن يذكر المسمى الموصوف بالأسماء والأوصاف المتواطئة التي فيها اشتراك وتمييز عن المخلوقات بما يقطع الشركة؛ لأن القصد بالإخبار، والوصف، تعريف المخاطبين، والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات، التي هي خصوص ذات الله، و صفاته.
فلو أخبروا بذلك وحده مجردًا لم يعرفوا شيئا، بل ربما أنكروا ذلك. فإذا خوطبوا بالمعاني المشتركة، وأزيل مفسدة الاشتراك بما يقطع التماثل، كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ،ونحو ذلك كانوا أحد رجلين:
إما رجل مؤمن، آمن بمعاني تلك الصفات على الوجه المطلق الجملي وأثبتها لله على وجه يليق به، ويختص به، لا يشركه فيه مخلوق، فهذا غاية الممكن في حال هؤلاء.