الصفحة 10 من 226

الوجه الخامس: أن أكثر من سلك الطريقين المنحرفين، لم يعتقد أن هناك طريقا ثالثا- كما يذكره رجال من فضلاء العالم الغالطين في القواعد الكبار - فهم ينتقلون من مادة فلسفية صابئية، إلى مادة إرادية نصرانية، إلى مادة كلامية يهودية.

وأهل فلسفتهم يوما مع ذوي إرادتهم، ويوما مع ذوي كلامهم، وهم متهوكون في هذه المجارات.

والطريقة الإيمانية النبوية المحمدية، الدينية السنية الأثرية، لا يهتدون إليها، ولا يعرفونها ولا يظنون أنها طريقة إلى مطلوبهم، ولا تفضي إلى مقصودهم، وذلك لعدم وجود من يسلكها في اعتقادهم، أو كبتوا نفوسهم عنها ظلما، فلضلالهم عنها أو غوايتهم وجهلهم بها، أو ظلمهم أنفسهم، أعرضوا عنها.

فإن قلت: فالقرآن يأمر بالنظر في الآيات.

/قلت: النظر لا ريب في صحته في الجملة، وأنه إذا كان في دليل أفضى إلى العلم بالمدلول، وإذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به، الذي هو رأس العبادة، كما أن العبادة والإرادة لا ريب في صحتها في الجملة، وأنها إذا كانت على منهاج الأنبياء أفضت إلى رضوان الله، لكن عليك أن تفرق بين الآيات وبين القياس، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.

فإن الآية هي العلامة. وهي ما تستلزم بنفسها لما هي آية عليه، من غير توسط حد أوسط، ينتظم به قياس مشتمل على مقدمة كلية، كالشعاع فإنه آية الشمس، وكذلك النبات للمطر في الأرض القفر، والدخان للنار، وإن لم ينعقد في النفس قياس، بل العقل يعلم تلازمهما بنفسه، فيعلم من ثبوت الآية ثبوت لازمها، والعلم بالتلازم قد يكون فطريا، وقد لا يكون.

الوجه السادس: أن تينك الطريقين ليستا باطلا محضا، بل يفضي كل منهما إلى حق ما، لكن ليس هو الحق الواجب، وكثيرًا ما يقترن معه الباطل فلا يحصل بكل منهما بمجرده أداء الواجب ولا اجتناب المحرم، و لا تحصلان المقصود الذي فيه سعادة العبد من نجاته ونعيمه، بعد مبعث الرسول.

أما الطريقة النظرية القياسية، فإنه لابد فيها من الاستدلال بالممكن على الواجب، أو المحدَث على المحدِث، أو بالحركة على المحرِّك، وذلك يعطي فاعلا عظيما من حيث الجملة.

وكذلك الطريقة الرياضية الذوقية تعطي انقياد القلب وخضوعه إلى الصانع/ المطلق، وكل منهما لابد فيها من علم اضطراري يضطر القلب إليه؛ إذ القلب لا يحصل له علم إلا من جنس الاضطراري ابتداء بتوسط الضروري، فإن النظر يبنى على مقدمات تنتهي إلى ما هو من جنس الضروري، إما بتوسط الحس أو مجردًا عن الحس.

فالطريق القياسية تفيد العلم بتوسط مقدمات ضرورية، مثل أن يقال: الوجود المعلوم إما ممكن، وإما واجب، والممكن لا يوجد إلا بواجب. فثبت وجود الواجب على التقديرين.

ومثل أن يقال: العالم محدَث أو كثير منه محدث. والثاني ضروري، والأول يستدل عليه. ثم يقال: وكل محدَث فله محدِث.

أو يقال: لا شك أن ثم وجودًا، وهو إما قديم، وإما محدَث، والمحدث لابد له من قديم، فثبت وجود القديم على التقديرين.

كما يقال: لا ريب أن ثم وجودًا، وهو إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب فثبت وجود الواجب على التقديرين.

وقد يقال أيضا: لا ريب أن ثم وجودا، وهو إما مصنوع، أو غير مصنوع، أو مخلوق أو غير مخلوق، أو مفطور أو غير مفطور، والمصنوع أو المخلوق أو المفطور، لابد له من صانع وخالق وفاطر، فثبت وجود ما ليس بمصنوع ولا مفطور ولا مخلوق على التقديرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت