الصفحة 11 من 226

/فهذه الوجوه وما يشبهها تدل على وجود واجب قديم ليس بمصنوع، لكن الشأن في تعيينه، فإن عامة الدهرية يقولون: هذا هو العالم أو شيء قائم به. ثم إن افتقار الممكن إلى الواجب، والمحدث إلى القديم، والمصنوع إلى الصانع، مقدمة ضرورية؛ وإن كان طائفة من النظار يستدلون على هذه المقدمة، وعلى أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، والجمهور على الاكتفاء بالضرورة فيهما.

والطريق العبادية تفيد العلم بتوسط الرياضة وصفاء النفس، فإنه حينئذ يحصل للقلب علم ضروري، كما قال الشيخ إسماعيل الكوراني لعز الدين بن عبد السلام لما جاء إليه يطلب علم المعرفة ـ وقد سلك الطريقة الكلامية ـ فقال: أنتم تقولون: إن الله يعرف بالدليل، ونحن نقول: عرَّفنا نفسه فعرفناه. وكما قال نجم الدين الكبرى لابن الخطيب، ورفيقه المعتزلي وقد سألاه عن علم اليقين، فقال: هو واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها. فأجابهما: بأن علم اليقين عندنا هو موجود بالضرورة لا بالنظر، وهو جواب حسن.

فإن العلم الضروري هو الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه. فالقائس إن لم يحصل له العلم الضروري ابتداء، وإلا فلابد أن يبني نظره وقياسه على مقدمات ضرورية، ثم حينئذ يحصل له العلم.

ولهذا قال طائفة منهم ـ أبو المعالي الجويني إن جميع العلوم ضرورية /باعتباراتها بعد وجود النظر الصحيح في الدليل تحصل العلم ضرورة، لكن منها ما هو ضروري عند تصور طرفي القضية، ومنها ما هو ضروري بعد تأمل ونظر، ومنها ما هو ضروري بعد النظر في دليل ذي مقدمتين، أو مقدمات.

فقال الشيخ العارف: نحن نجد العلم وجدا ضروريًا بالطريق التي نسلكها من تزكية النفس، وإصلاح القلب الذي هو حامل العلم وداعيه فكل منهما يفيض الله العلم على قلبه، وينزله على فؤاده، ولكن أحدهما بتحصيل العلم المقارن للعلم المطلوب، الذي هو المقدمات، والآخر بإصلاح طالب العلم الذي يريد أن يكون عالمًا ـ وهو القلب ـ بمنزلة من يخطب امرأة، فتارة تجمَّل لها وتَعَرَّض حتى رأته فرغبت فيه وخطبته، وتارة بأن أرسل إليها من تأنس إليه وتطيعه، فخطبها له فأجابت، فكان سعي الأول وعمله في إصلاح نفسه وتعرضه لها حتى ترغب، وكان سعي الثاني في تحصيل الرسول المطاع حتى تجيب. وبمنزلة من يصيد صيدًا.

لكن مجرد النظر والعمل مجتمعين ومنفردين، لا يحصلان إلا أمرًا مجملًا، كما هو الواقع، وذلك صحيح. فإن ثبوت الأمر المجمل حق، فإن ضما إلى ذلك ما يعلم بنور الرسالة من الأمر المفصل حصل الإيمان النافع، وزال ما يخاف من سوء عاقبة ذينك الطريقين.

وهذه حال من تحيز من أهل النظر الكلامي، والعمل العبادي إلى اتباع الرسول والإيمان به، فقبل منه وأخذ عنه.

/وإن لم يضم أحدهما إلى ذلك ما جاء به الرسول، فإما أن يضم ضده، أو لا يضم شيئًا، فإن ضم إلى ذلك ضد ما جاء به الرسول وقع في التكذيب، وهو الكفر المركب، وإن لم يضم إليه شيء بقى في الكفر البسيط، سواء كان في ريب، أو في إعراض وغفلة.

فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أولا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان بها، كما قال: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، وقال: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] ، لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. فلهذا قرن التكذيب بالغفلة وإن تصور ما جاء به الرسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت