وانصرف فهو معرض عنه، كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123،124] ، وكما قال: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 61] ،وكما قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [البقرة: 170]
وإن كان مع ذلك لا حظ له، لا مصدق ولا مكذب، ولا محب ولا مبغض، فهو في ريب منه، كما أخبر بذلك عن حال كثير من الكفار، منافق وغيره، كما قال: {إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونََ} [التوبة: 45] ، وكما قال موسى: {أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ. قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَاتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّاتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 9: 11] .
فأخبر ـ سبحانه ـ عن مناظرة الكفار للرسل في الربوبية أولا، فإنهم في شك من الله الذي يدعونهم إليه، وفي النبوة ثانيا بقولهم: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [إبراهيم: 10] ،وهذا بحث كفار الفلاسفة بعينه، وإن كان مكذبًا له فهو التكذيب، والتكذيب أخص من الكفر، فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر. وليس كل كافر مكذبًا، بل قد يكون مرتابا، إن كان ناظرًا فيه أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرا فيه، وقد يكون غافلا عنه لم يتصوره بحال، لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه.
وكل واحد من الأمرين في أن يضم إلى المعرفة المجملة، إما تكذيب، وإما كفر بلا تكذيب واقع كثيرًا في سالكي الطريقين، النظر في القياس المجرد، والعمل بالعبادة المجردة.
مثال ذلك: أن كثيرًا من النظار أثبت واجب الوجود، أو صانع العالم، وذهبوا في تعيينه وصفاته مذاهب يضيق هذا الموضع عن تفصيلها ـ معروفة/ في كتب المقالات، من أهل ملتنا، وغير أهل ملتنا ـ مقالات الإسلاميين المصلين، ومقالات غيرهم. وكثير من العباد المتأخرين أثبت أيضا ذلك إثباتا مجملا، وتوهموا فيه أنواعا من التوهمات الكفرية، الذي يصفها عارفوهم.
فمنهم من توهمه الوجود المطلق، المشترك بين الموجودات، كالإنسان المطلق مع أعيانه وأفراده، فإذا تعين الوجود لم يكن إياه؛ إذ المطلق ليس هو المعين، كما يقوله الصدر القونوي.
ومنهم من توهم أن وجود الممكنات هو عين وجوده الفائض عليها. كما يذكره صاحب الفصوص
ومنهم يتوهمه جملة الوجود، وكل معين فهو جزء منه، كالبحر مع أمواجه، وأعضاء الإنسان مع الإنسان. فليس هو ما يختص بكل معين، لكنه مجموع الكائنات، كالعفيف التلمساني، وعبد الله الفارسي البلياني، ويقولون: إن كل موجود فهو مرتبة من مراتب الوجود، أو مظهر من مظاهره، بمنزلة أمواج البحر معه، وأعضاء الإنسان معه، وأجزاء الهوى مع الهواء، أو بمنزلة هذا الإنسان وهذا الحيوان مع الحيوان المطلق والإنسان المطلق.
ويقول شاعرهم ابن إسرائيل:
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ** ويفهم هذا السر من هو ذائق
وقال:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ** لأني في التحقيق لست سواكم