/ولهذا ليس عندهم للإنسان غاية وراء نفسه، وإنما غايته أن ينكشف الغطاء عن نفسه، فيري أن نفسه هي الحق، وكان قبل ذلك محجوبا عنها، فلما شاهد الحقيقة رأى أنه هو كما قال ابن إسرائيل:
ما بال عيسك لا يقر قرارها ** إلا في ظلك لا تني منتقلا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن ** إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وكما يقول بعضهم:
وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه عينه
والله يقول: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [العلق: 8] ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] ،ويقول: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ} [الأنعام62] ، ويقول: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة: 156] ، ونحو ذلك. وقال التلمساني ـ وكان راسخ القدم في هذه الزندقة التي أسموا بها التوحيد والحقيقة-:
توهمت قدما أن ليلى تبرقعت ** وأن حجابًا دونها يمنع اللثما
فلاحت، فلا والله ما كان حجبها ** سوى أن طرفي كان عن حبها أعمى
وله شعر كثير في هذا الفن:
هي الجوهر الصرف القديم وإن بدا ** لها خبث أتيت به فهو حادث
/حلفت لهم ما كان منها غير ذاتها ** فقالوا اتئد فيها فإنك حانث
وله:
وقل لحبيبك مت وجدًا وذب طربا ** فيها وقل لزوال العقل لا تزل
واصمت إلى أن تراها فيك ناطقة ** فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ولهذا يصلون إلى مقام لا يعتقدون فيه إيجاب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإنما يرون الإيجاب والتحريم للمحجوبين عندهم، الذين لم يشهدوا أنه هو حقيقة الكون، فمن العابد ومن المعبود ومن الآمر ومن المأمور؟ كما قال صاحب الفتوحات في أولها:
الرب حق والعبد حق ** يا ليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك ميت ** أو قلت رب أني يكلف؟
وعندهم أن التكليف هو في مرتبة من مراتب الأسماء والصفات وهو مرتبة الممتحن.
قال بعضهم:
ما الأمر إلا نسق واحد ** ما فيه من مدح ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت ** والطبع والشارع بالحكم
/ومنشأ هذين عن الصابئة ـ كما يبين ذلك عند التأمل ـ فإن الصابئة الخارجين عن التوحيد لله وحده لا شريك له ـ كالمشركين، والمجوس ـ مثل فرعون موسى، ونمروذ إبراهيم، وغيرهم من البشر، معترفون بالوجود المطلق.
ولهذا كان أفضل علوم الفلاسفة هو علم ما بعد الطبيعة، أعني بهم الفلاسفة المشائين الذين يتبعون [أرسطو] ، فإنه عندهم المعلم الأول الذي صنف في أنواع التعاليم من أجزاء المنطق، والعلم الطبيعي كالحيوان، والمكان والسماء، والعالم، والآثار العلوية، وصنف فيما بعد الطبيعة ـ وهو عندهم غاية حكمتهم، ونهاية فلسفتهم ـ وهو العلم الذي يسميه متأخرو الفلاسفة ـ كابن سينا: [العلم الإلهي] .