الصفحة 14 من 226

وموضوع هذا العلم عند أصحابه: هو الوجود المطلق ولواحقه، مثل الكلام في الموجود، والمعدوم، ثم في تقسيم الموجود إلى واجب وممكن، وقديم، ومحدث، وعلة ومعلول، وجوهر وعَرَض، ونحو ذلك.

ثم الكلام في أنواع هذه الأقسام وأحكامها، مثل: تقسيم العلل إلى الأنواع الأربعة، وهي: الفاعل والغاية، اللذان هما سببان لوجود الشيء، والمادة والصورة، اللذان هما سببان لحقيقة المركب، وتقسيم الأعراض إلى الأجناس المقالية التسعة، وهي: الكيف، والكم، والوضع، والأين، ومتى، والإضافة، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، أو جعلها خمسة على ما بينهم من الاختلاف.

/وفي آخر علم ما بعد الطبيعة حرف اللام ـ كأنه هو العلة الغائية، الذي إليه الحركة، كما أثبت المعلم الأول وجوده بطريق الاستدلال بالحركة ـ الذي تكلم فيه المعلم الأول على واجب الوجود لذاته، بكلام مختصر ذكر فيه قدرًا يسيرًا من أحكامه ـ وهو الذي كان يقول فيه ابن سينا فهذا ما عند المعلم الأول من معرفة الله.

وأما النبوات والرسل، فليس لهؤلاء فيها كلام معروف، لا نفيا ولا إثباتا. وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية ـ الإبراهيمية، التوحيدية ـ تارة بنبوة عيسى ـ لما ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام، ومصر، والروم، وغيرها ـ ثم بنبوة خاتم المرسلين، وأظهر الله من نور النبوة شمسًا طمست ضوء الكواكب، وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفى بعض نور النبوة، فعرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة، من الروم، والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية.

ثم طلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعربت، ودرسها الناس، وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر، وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية كالحساب والهيئة، أو الطبيعية كالطب، أو المنطقية، فأما الإلهية، فكلامهم فيها نزر وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقينا، وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورًا وهدى، /بل متكلموهم الذين ينسبون إلى البدع عندهم من العلم الإلهي بمقاييسهم المستخرجة أضعاف أضعاف أضعاف ما عند حذاق المتفلسفة.

ثم بعد ذلك لما صار فيهم من يتحذق على طريقتهم في علم ما بعد الطبيعة، كالفارابي، وابن سينا ونحوهم، وصنف ابن سينا كتبًا زاد فيها بمقتضى الأصول المشتركة، أشياء لم يذكرها المتقدمون، وسمى ذلك العلم الإلهي، وتكلم في النبوات، والكرامات، ومقامات العارفين، بكلام فيه شرف ورفعة، بالنسبة إلى كلام المتقدمين.

وإن كان عند العلوم الإلهية النبوية فيه من القصور والتقصير والنفاق والجهل، والضلال والكفر، ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان، وإنما راج على من سلك طريق المتفلسفة؛ لأنه قرب إليهم معرفة الله، والنبوات، والمعجزات، والولاية، بحسب أصول الصابئة الفلاسفة ـ لا بحسب الحق في نفسه ـ بما أشرق على جهالاتهم من نور الرسالة، وبرهان النبوة.

كما فعله نسطور النصراني، الذي كان في زمن المأمون، الذي تنسب إليه النسطورية في التثليث والاتحاد، لكنه بما أضاء عليه من نور المسلمين أزال كثيرًا من فساد عقيدة النصراني، وبقى عليه منها بقايا عظيمة. وكذلك يحيى بن عدي النصراني، لما تفلسف قرب مذهب النصارى في التثليث إلى أصول الفلاسفة في العقل، والعاقل، والمعقول.

/ولهذا الفلاسفة المحضة ـ الباقون على محض كلام المشائين ـ يرون أن ابن سينا صانع المليين، لما رأوا من تقريبه، وجهلوا فيما قالوا، وكذبوا، لم يصانع، ولكن قال ـ بموجب الحق وبموافقة أصولهم العقلية ـ ما قاله من الحق الذي أقر به، كما أن الفلاسفة الإلهيين المشائين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت