وغيرهم متفقون على الإقرار بواجب الوجود، وببقاء الروح بعد الموت، وبأن الأعمال الصالحة تنفع بعد الموت، ويخالفهم في ذلك فلاسفة كثيرون من الطبيعيين وغيرهم، بل وبين الإلهيين من الفلاسفة خلاف في بعض ذلك حتى الفارابي، وهو عندهم المعلم الثاني يقال: إنه اختلف كلامه في ذلك.
فقال تارة ببقاء الأنفس كلها، وتارة ببقاء النفوس العالمة دون الجاهلة. كما قاله في آراء المدينة الفاضلة، وتارة كذب بالأمرين، وزعم الضال الكافر أن النبوة خاصتها جودة تخييل الحقائق الروحانية، وكلامهم المضطرب في هذا الباب كثير، ليس الغرض هنا ذكره.
وإنما الغرض أن العلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى علم ما بعد الطبيعة وهو الوجود المطلق ولواحقه، حتى أن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين - كابن الخطيب وغيره - يتكلمون في أصول الفقه، الذي هو علم إسلامي محض، فيبنونه على تلك الأصول الفلسفية.
كقول ابن الخطيب وغيره في أول أصول الفقه ـ موافقة لابن سينا ومن قبله: العلوم الجزئية لا تقرر مبادئها فيها؛ لئلا يلزم الدور، فإن مبدأ العلم أصوله، /وهو لا يعرف إلا بعدها. فلو عرفت أصوله بمسائله المتوقفة على أصوله، للزم الدور بل توجد أصوله مسلمة، ويقدر في علم أعلى منه، حتى ينتهي إلى العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه، وهذا قالوه في مثل الطب والحساب: إن الطببب إنما هو طبيب ينظر في بدن الحيوان، وأخلاطه وأعضائه ليحفظه صحته إن كانت موجودة، ويعيدها إليه إن كانت مفقودة، وبدن الحيوان جزء من المولدات في الأرض، وكذلك أخلاطه.
فأعم منه النظر في المولدات من الأركان الأربعة، الماء، والهواء، والنار، والأرض.
وأعم من ذلك: النظر في الجسم المستحيل، ثم في الجسم المطلق، فما من علم يتعلق بموضوع ببعض الموجودات العينية، أو العلمية إلا وأعم منه ما يشترك هو وغيره فيه. فأما إدخال العلم بالله الذي هو أعلى العلوم، وأشرفها في هذا، وجعله جزءًا من أجزاء العلم الأعلى ـ عندهم ـ الناظر في الوجود ولواحقه وكذلك ما يتبع ذلك من العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر- فهذا منشأ الضلال القياسي.
ويتبين ذلك من وجوه:
أحدها: أن الله ـ سبحانه ـ هو الأعلى وهو الأكبر؛ ولهذا كان شعار أكمل الملل هو: الله أكبر في صلواتهم وأذانهم وأعيادهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: (يا عدي، ما يُفِرُّك! أيفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ / يا عدي، فهل تعلم من إله إلا الله؟ يا عدي، ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله) ؟ وبهذا: تبين صواب من قال من الفقهاء أنه لا يجوز إبدال هذه الكلمة بقولنا: الله الكبير، مع أن كشف هذا له موضع آخر.
وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في سجودكم) ، فالله هو الأعلى، وهو الأكبر. والعلم مطابق للمعلوم فيجب أن تكون معرفته وعلمه: أكبر العلوم وأعلاها.
الثاني: أن الله ـ سبحانه ـ هو الحق الموجود بنفسه، وسائر ما سواه خلق من خلقه، مربوب مقهور تحت قدرته، وهو خالق الأشياء مسبب أسبابها، فالعلم به أصل للعلم بما سواه وسبب، كما أن ذاته كذلك، والعلم بالسبب يفيد العلم بالمسبب.
الثالث: معرفة أن الوجود المطلق هو المعرفة بالقدر المشترك بينه وبين ما سواه، وهو علم بالحد الأوسط في قياسه على خليقته، ومعلوم أن ذلك ليس فيه علم بحقيقته، ولا بحقيقة ما سواه، وإنما هو علم بوصف مشترك بينهما، فكيف يكون العلم بوصف مشترك أعلا من العلم بحقيقة كل منهما، وسائر ما يختص به عن غيره من الأنواع، والأعيان؟