الصفحة 16 من 226

وكذلك معرفة الذات المطلقة، وما هو كل من الأمور المشتركة، هو من هذا الباب.

/الرابع: أن الوجود المطلق، والذات المطلقة ونحو ذلك: إما أن يراد به الإطلاق الخاص، وهو الذي لا يدخل فيه المقيد، كما يقال: الماء المطلق، فهذا لا وجود له في الخارج عن العقل والذهن، كما أن الوجود الكلي العام، والذات الكلية العامة، لا وجود لها في الخارج، وإنما يعرض للحقائق هذا العموم، وهذا الإطلاق من حيث هي معقولة في الأذهان، لا من حيث هي ثابتة في الأعيان.

فكيف يكون أعلى العلوم وأشرفها معلومه هو المثل الذهنية لا الحقائق الوجودية، والمثل إنما هي تابعة لتلك، وإلا لكانت جهلا لا علما، وإما أن يراد به الإطلاق العام، وهو ما لا يمنع شيئا من الدخول فيه وهو المطلق من كل قيد، حتى عن الإطلاق. فالمطلق بهذا الاعتبار له وجود في الخارج على القول الصحيح.

لكن لا يوجد مطلقا لا يوجد إلا معينا، فإما موجود مطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له، وهو المطلق الخاص، فالمطلق العام لما كان يدخل فيه المقيد صح أن يوجد في الخارج، فإذا كان الوجود المطلق ولواحقه ليس بموجود في الخارج مطلقًا، ولا يوجد في الخارج إلا معين امتنع أن يكون أعلى العلوم، إنما وجود معلومه في الأذهان لا في الأعيان.

ولو جاز ترجيح العلم بالمثل الذهنية على الحقائق الخارجية، لجاز ترجيح المثل على الحقائق، ولكان العلم بالرب والملائكة والنبيين أفضل من ذات الرب، والملائكة والنبيين، وهذا لا يقوله عاقل.

/الخامس: أن القوم إنما أتوا من جهة أنهم بنوا أمرهم في علومهم جميعًا على القياس، ولابد في القياس من قضية كلية، وَحَدٍّ أوسط يكون أعم من الموصوف المحكوم عليه المبتدأ الموضوع.

وما من حد وقضية إلا وثمَّ ما هو أعم منه، مثل أن يقول: الإنسان، فأعم منه الحيوان، فأعم منه الجسم النامي، فأعم منه الجسم السفلي، فأعم منه الجسم، فأعم منه الجوهر، فأعم منه الموجود، سواء كان جنسًا ذاتيا كما يقوله بعضهم، أو وصفًا عرضيا كما يقوله الحذاق.

فلو قيل: أعلى العلوم القياسية العلوم بالموجود ولواحقه، لكون معلومه أعم الموضوعات لكان له مساغ، ولعل هذا مرادهم.

لكن العلم القياسي لا يفيد بنفسه معرفة حقيقة شيء من الأشياء الموجودة، إلا إذا كان له نظير مماثل، فيعرف أحد المثلين بنفسه، والآخر بقياسه على نظيره، وهذا القدر منتف في العلم بالله، لا يوجد مثله ونظيره، ثم قد عارضهم المتكلمون بما هو أعلى من الوجود وهو المعلوم والمذكور فقالوا: أعلا المعلوم وأعم الأسماء والحدود: المعلوم والمذكور؛ لأنه يدخل فيه الموجود والمعدوم، بنوعي الوجود: واجبه وممكنه، ونوعي المعدوم ممكنه وممتنعه، فكان يجب أن يقال: العلم الأعلى الناظر في المعلوم ولواحقه، وهذا أعم وأوسع.

وكون الشيء معلومًا أمر يعرض له، لاصفة ذاتية وكذلك كونه موجودًا، إذ هو في الحقيقة، كونه بحيث يجده الواجد، هذا مقتضي الاسم،/وإن عنى به بعضهم كونه حقًا في نفسه، فهذا ليس هو حقيقته التي هي هو، كما قد قرر هذا في غير هذا الموضع.

وإن من قال من المتفلسفة أو المتكلمة: إن حقيقة الرب هي وجوده أو وجوب وجوده، أو أنهم علموا حقيقته فقد أخطأ في ذلك خطأ قبيحًا، وأن هذا بمنزلة من قال: حقيقة سائر الكائنات كونها ممكنة، وهؤلاء بعداء عن الله محجوبون عن معرفته، لم يعرفوا منه إلا صفة كلية من صفاته فظنوا أنهم عرفوا حقيقته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت