الصفحة 17 من 226

وبهذا يتبين لك أن من قال: العلم الأعلى هو علم ما بعد الطبيعة، وهو الناظر في الوجود ولواحقه، فإنما حقيقة ذلك أنه أعلى في ذهن الطالب لمعرفة الله بالقياس علي خلقه، لا أنه أعلى في نفسه، ولا أن معلومه أعلى، ولا أعلى عند من عرف حقائق الموجودات، ولا أعلى عند من عرف الله بالفطرة، فضلا عمن عرفه بالشرعة، فضلا عمن عرفه بالولاية، فضلا عمن عرفه بالوحي والنبوة، فضلا عمن عرفه بالرسالة، فضلا عمن عرفه بالكلام، فضلا عمن عرفه بالرَّوية.

فلما كان منتهى الفلاسفة الصابئية، وأعلى علمهم هو الوجود المطلق، وكان أصل التجهم، وتعطيل صفات الرب إنما هو مأخوذ عن الصابئة، وكان هؤلاء الاتحادية في الأصل جهمية، وأنه بما فيهم من النصرانية - المشاركة للصابئة صار بينهم وبين الصابئة نسب - صار معبودهم وإلههم هو/ الوجود المطلق، وزعموا أن ذلك هو الله، مضاهاة لما عليه خلق من قدماء الفلاسفة، من تعطيل الصانع وإثبات الوجود المطلق، حتى يصح قول فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] .

وإن كان الفلاسفة المسلمون لا يوافقون على ذلك، بل يقرون بالرب الذي صدر عنه العالم، لكنهم بتعظيمهم للوجود المطلق صاروا متفقين متقاربين، ومن تأمل كلام النصير الطوسي الصابئي الفيلسوف، وكلام الصدر القونوي النصراني الاتحادي الفيلسوف، وكلام الإسماعيلية في البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم - الذي يقول فيه: أقرب الناس إلينا الفلاسفة، ليس بيننا وبينهم خلاف إلا في واجب الوجود، فإنهم يقرون به، ونحن ننكره ـ عرف ما بين هؤلاء من المناسبة.

وكذلك المراسلة التي بين الصدر والنصير، في إثبات النصير لواجب الوجود، على طريقة الصابئة الفلاسفة، وجعل الصدر ذلك هو الوجود المطلق، لا المعين، وأنه هو الله، علم حقيقة ما قلته، وعلم وجه اتفاقهم على الضلال والكفر، وأن النصير أقرب من حيث اعترافه بالرب الصانع المتميز عن الخلق، لكنه أكفر من جهة بعده عن النبوة، والشرائع، والعبادات. وأن الصدر أقرب من جهة تعظيمه للعبادات، والنبوات، والتأله، على طريقة النصارى، لكنه أكفر من حيث إن معبوده لا حقيقة له، وإنما يعبد الوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الخارج.

/ولهذا كان الصدر أكفر قولا، وأقل كفرًا في عمله، والنصير أكفر عملا، وأقل كفرًا في قوله، وكلاهما كافر في قوله وعمله، ولهذا يظهر للعقلاء من عموم المسلمين من كلام الصدر أنه إفك وزور وغرور، مخالف لما جاء به الرسول، كما يظهر لهم من أفعال النصير أنه مروق وإعراض عما جاء به الرسول؛ ولهذا: كان النصير أقرب إلى العلماء؛ لأن في كلامه ما هوحق، كما أن الصدر أقرب إلى العباد؛ لأن في فعاله ما هو عبادة.

فالمطلوب من السادة العلماء:

أن يبينوا هذه الأقوال، وهل هي حق أو باطل؟ وما يعرف به معناها؟ وما يبين أنها حق أو باطل؟ وهل الواجب إنكارها، أو إقرارها، أو التسليم لمن قالها؟ وهل لها وجه سائغ؟ وما الحكم فيمن اعتقد معناها، إما مع المعرفة بحقيقتها؟ وإما مع التسليم المجمل لمن قالها؟

/ والمتكلمون بها، هل أرادوا معنى صحيحا يوافق العقل والنقل؟ وهل يمكن تأويل ما يشكل منها وحمله على ذلك المعنى؟ وهل الواجب بيان معناها، وكشف مغزاها، إذا كان هناك ناس يؤمنون بها، ولا يعرفون حقيقتها؟ أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها، ويؤمنون بها. مع عدم العلم بمعناها؟ بينوا ذلك مأجورين.

/ فأجاب ـ رضي الله عنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت