ط- عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة، قال:"أما والله لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ وأكرمه على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت" (8) .
لقد قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بالحَزْوَرة موقع قرب مكة أو سوق بها - قبل مهاجره صلى الله عليه وآله وسلم منها (9) .
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أظهر حزنه الشديد على فراق خير الأوطان وأحبّها إلى الله تعالى وإلى نفسه صلى الله عليه وآله وسلم بيد أن الله تعالى ذكره عوَّضه البلد المبارك بالبلد الأمين. فيا لله تعالى ما أوسع رحمته وأكبر عطاءه سبحانه وتعالى.
المبحث الثالث
أصول وقواعد يُرجع إليها في هذا الموضوع
إن من نعمة الله تعالى علينا - نحن المسلمين - أن الله سبحانه جعل لنا أصولًا وقواعد وضوابط نرجع ونتحاكم إليها، هي من صميم ديننا، وأصول ملّتنا، وعليها تقوم شريعتنا السمحاء الغرّاء.
ومن أحببتُ أن أدبّج بحثي هذا بشيء من هذه الأصول والقواعد التي يُرجع إليها في مفهوم الوطنية في ضوء الكتاب الله المبين والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم فكانت هذه الأصول والقواعد المدرجة في هذا المبحث لعل الله تعالى أن ينفع بها.
أولًا: أن الله يبتلى عباده بأنواع كثيرة من الابتلاءات، ومنها الابتلاء بالأوطان، إمّا تحصيلها أو فقدًا، وجودًا أو عدمًا، فهناك المُهَجَّرون في الأرض واللاجئون بأنواعهم والمنفيّون عن أوطانهم، وهنالك المتنعمون بأوطانهم المواطنوان المستوطنون المقيمون.
يقول الله تبارك وتعالى ?وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ? (الأنبياء عليه الصلاة والسلام: 35) .