الصفحة 14 من 22

أنَّ القطرة في الأنف لا تفطر، وليس لها أثرٌ في الصوم [72] ، ومما عللوا به لهذا القول ما يلي:

3 -أن ما يصل إلى المعدة من هذه القطرة قليل جدًّا، فإنَّ الملعقة الواحدة الصغيرة تتسع إلى 3 - 5 سم، من السَّوائل، وكل 3 سم يمثل خمس عشرة قطرة، فالقطرة الواحدة تمثل جزءًا من خمسة وسبعين جزءًا مما يوجد في الملعقة الصغيرة، وبعبارة أخرى حجم القطرة الواحدة (0.06) من 3سم [73] ، وهذا القليل الواصل أقل مما يصل منَ المتبقي منَ المضمضة، فيعفى عنه قياسًا على المتبقي منَ المضمضة.

4 -أنَّ الدواء الذي في هذه القطرة مع كونه قليلًا فهو لا يُغَذي، وعلة التفطير هي التقوية والتغذية، وقطرة الأنف ليست أكلًا ولا شربًا - كما سبق تقريره- والله - تعالى - إنما علق الفطر بالأكل والشُّرب.

الخلاصة والترجيح:

لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الوضوء: (( وبالِغ في الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائمًا ) )، وما أفهمه مِن هذا الحديث تَنْزيلًا على مسألتنا أمران:

1 -أنَّ القطرة الخفيفة التي لا تصل إلى الحلق لا تبطل الصوم؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يَنْه الصائم عنِ الاستنشاق مطلقًا، وإنما أمره بِعَدم المُبَالغة فيه.

2 -وأمَّا القطرات الكثيرة التي تصل إلى الحلق فإنها تفسد الصَّوم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى الصائم عنِ المبالغة في الاستنشاق، والمُبَالغة من شأنها أن توصل الماء إلى الحلق، ويتبع ذلك الابتلاع فساد الصوم.

المسألة الرابعة

استعمال الصائم قطرة العين

اختلف الفُقَهاء فيما يوضع في العين كالكحل ونحوه، هل يفطر أو لا؟ وخلافهم هذا مَبْنِيّ على أمر آخر، وهو: هل تُعْتبر العين منفذًا كالفم، وحاصل ذلك ما يلي:

فذهب الأحناف [74] ، والشافعية [75] ، إلى أنه لا منفذ بين العين والجوف، أو الدماغ، وبناءً على ذلك، فهم لا يرون أن ما يوضع في العين مفطرًا، وذهب المالكيَّة [76] ، والحَنَابِلة [77] ، إلى أنَّ العين منفذ إلى الحلق كالفم، والأنف فإن اكتحل الصائم ووجد طعمه في حلقه، فقد أفطر.

وقد بَحَث شيخ الإسلام خلاف الفقهاء في الكحل، ومما قاله:"وأما الكحل، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، والأظهر أنه لا يُفْطر، فإن الصِّيام من دين المسلمين، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حَرَّمَها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - بيانه، ولو ذكر ذلك لَعَلَّمَه الصحابة، وبَلَّغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلمَّا لم ينقل أحدٌ من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لا حديثًا صحيحًا، ولا ضعيفًا، ولا مسندًا، ولا مرسلًا، عُلم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف [78] ."

وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى، لا بدَّ أن يبيّنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيانًا عامًّا، ولا بدَّ أن تنقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت