والخلل الملحوظ الذي كتبتُ من أجله هذه الفقرة هو أن كثيرا من الكتاب والخطباء الذين يكتبون السيرة النبوية أو يلقون فيها دروسا ، يحصرون قضية الخلاف بين الجاهلية والدعوة في عبادة الأصنام وبعض القضايا الأخلاقية مثل تحريم الزنا وشرب الخمر ووأد البنات ،وأن الغزوات كانت لمعالجة مشاكل الجوار ولأمور اقتصادية ونحو ذلك وهو من البتر الذي لا يُقبل بحال.
والمراد: أنه حين دراسة السيرة النبوية أو عرضها على الناس لا يفهم أبد ا أن الخلاف بين الدعوة والجاهلية القائمة كان في بعض العادات الجاهلية السيئة مثل وأد البنات والزنا وشرب الخمر ورفع الظلم عن الضعفاء ، وبعض مظاهر شرك النسك من عبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام ... الخ .
وإنما كانت ولا زالت القضية الكبرى التي انبثقت منها باقي القضايا هي قضية الطاعة لمن؟ ، أو السلطان يكون لمن ؟ أو بتعبير آخر من تعبد ؟ الله في صورة شرعة ؟ أم الشيطان في صورة المناهج الأرضية التي زينها لأوليائه ؟
فمن عبد الأصنام إنما عبدها طاعة للأولياء الشيطان ، ومن اعتقد التثليث وكفر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك طاعة لأولياء الشيطان ، قصد أم لم يقصد .
تاسعا: الملأ ودورهم البارز في التصدي للدعوة:
الملأ هم: أَشْرافُ القوم ووجُوهُهم ورؤَساؤهم ومُقَدَّمُوهم، الذي يُرْجَع إِلى قولهم . وفي الحديث: هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الملأُ الأَعْلى؟80
والملأ من الكفار لهم دور بارز في تسير الأحداث ، ولا بد من الوقوف على دورهم وإبرازه للناس . إذ هم موجودون مع الباطل في كل مكان وزمان .