لم يكن حال البشرية خارج الجزيرة العربية خير من حالها في الجزيرة العربية ، لا في الناحية الدينية ولا في الناحية الاجتماعية ،ولا في الناحية الاقتصادية . لم تكن البشرية قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، تعرف أيا من أنواع التكريم للإنسان ، وإن كان هنا رقيا ماديا إلا أنها لم تستفد منه بسبب ترك هدى الله عز وجل .
في الفرس:
كانت المحرمات النسبية التي تعارف على حرمتها أهل الأقاليم المتواضعة موضع خلاف ونقاش عندهم ، حتى أن يزدجر الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ، ثم قتلها ، وبهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس الميلادي كان متزوجا أخته .
ولم يكن هذا معصية عندهم بل كان قربة يتقربون به إلى الله .!! 47
وفيهم ظهرت دعوة ( ماني ) التي تدعو إلى العزوبية وترك الزواج استعجالا لفناء البشرية ، ومع أن صاحب هذه الدعوة قتل إلا أن دعوته ظل لها أنصار إلى ما بعد الفتح الإسلامي .
وفيهم ظهرت دعوة ( مزدك ) التي دعت إلى أن يكون الناس سواء في كل شيء ، في الأموال وفي النساء ، ولاقت هذه الدعوى رواجا كبيرا ، حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه .
وكان الأكاسرة يدَّعون أنهم يجري في عروقهم دمّ إلهي ، وكان الناس ينظرون إليهم كآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئا علويا مقدسا ، فلا يجري اسمهم على لسانهم ، ولا يجلسون في مجالسهم ، وليس لأحد حق عليهم ،وأن ما يعطونه لأحد إنما هو صدقه وتكرم من غير استحقاق ، وليس للناس قبلهم إلا السمع والطاعة .
ودون ذلك كان المجتمع قائما على الطبقية المؤسسة على اعتبار الحرفة والنسب ، وكان من قواعد السياسة أن يقنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه ، ولم يكن يسمح لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها ، ولم يكن الملوك يولُّون وضيعا وظيفة من وظائفهم .