وفي موضع اخر (يُقتِّلون) (48) بغير واو. فمعنى الواو أنَّهم يمسّهم العذابُ غير التذبيح كأنَّه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. ومعنى طرح الواو كأنه تفسير لصفات العذاب. وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة ثم فسرته فاجعله بغير واو. وإذا كان أوله غير اخره فبالواو )) (49) ، وبهذا دلّت الواو على المغايرة.
ومثله قوله تعالى: (( ولقد همّت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربّه) (50) ، فالهم الأول غير الهم الثاني لذا عطف بالواو، قال الرازي في تفسير معنى الهم (( هو القصد، فوجب أن يحمل في حقِّ كُلّ أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقال هممتُ بفلان أي بضربه ودفعه ) ) (51) ، ومنه قوله تعالى: (( وهمَّوا بما لم ينالوا ) ) (52) ، (( كان طائفة عزموا على أن ينالوا سيدنا رسول الله(صلى الله عليه واله) في سفرٍ وقفوا له على طريقه، فلما بلغهم أمر بتنحيتهم عن طريقه وسماهم رجلا رجلا ... والهَمُّ: ما همَّ به في نفسه، تقول أهمني هذا الأمر )) (53) ، وبهذا يكون قوله تعالى: (( لولا أن رأى برهان ربِّه ) ) (54) ، أعظم فائدة، فالله تعالى أعلم يوسف (عليه السلام) أنه لو هم بدفعها لقتلتهُ أو كانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك، فلم يشتغل بدفعها، ولو فعل لتمزق ثوبه من قدام وكانت الحجة عليه، فولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية. (55)
و (لولا) في الاية حرف امتناع لوجود ان كانت الجملتان بعدها موجبتين (56) ، ومنه قول الشريف الرضي: (57)
عندي رسائل شوق لست اذكرها
لولا الرقيب لقد بلغتها فاكِ
فهو لم يبلغها الرسائل لوجود الرقيب، كذلك الأمر في الآية القرآنية، فيوسف عليه السلام لم يهمَّ بها لوجود البرهان وبهذا حسن العطف بالواو للمغايرة، لأن الهم الأول غير الثاني، ومعنى المغايرة في التركيب مجتلب من السياق وتعاطف الجملتين بـ (الواو) ، التي تدل على هذا المعنى في نفسها، ونظيره في القرآن الكريم قوله تعالى (( ومكروا ومكر الله ) ) (58) فالمكر الثاني غير الاول لذا حسن العطف هنا بـ (الواو) ، وهذا النوع من باب المشاكلة (59) لأن (( المكر من الله استدراج، لاعلى مكر المخلوقين ) ) (60) ، فهو (( من الله عز وجل مجازاة وعدل ) ) (61) ، ومن الخلق الحيلة السيئة (62) ، وسمي الجزاء على المكر مكرا على عادة العرب في مقابلة اللفظ باللفظ مجازًا (63) ، وذلك ابلغ في التعبير. ومنه قوله تعالى (( ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا ) ) (64) ومنه في الدعاء: (( اللهم ... أمكر لنا ولاتمكربنا ) ) (65) ، وايضا من هذا اللون قوله تعالى: (( إنهم يكيدون كيدا واكيد كيدا ) ) (66) فكيد الله غير كيد الخلق، لأنَّ (( الكيد ضرب من الاحتيال ) ) (67) ، وهو من الله تعالى جزاءٌ (68)
ثالثا: واو الثمانية:
وممّا عُدَّ زائدا ما سمّوه بـ (واو الثمانية) (69) (( لان العرب إذا عدّوا قالوا: ستة، سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عددٌ تامٌ، وأن ما بعدها عددٌ مستأنف ) ) (70) . من ذلك قوله تعالى: (( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) (71) ، الى قوله تعالى: (( سبعة وثامنهم كلبهم ) ) (72) ، قال ابن عباس: (( حين جاءت الواو انقطعت العدَّة، أي: لم تبق عدّة عادٍّ يُلتفتُ إليها ) ) (73) ، ولقد وضح الزمخشري حقيقة هذه (الواو) بقوله: (( هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جائني رجل ومعه اخر، ومررت بزيدٍ وفي يده سيف، ومنه قوله عز وعلا: (( وما أهلكنا من قرية إلاّ ولها كتابٌ معلوم ) ) (74) ، وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والأدلة على اتصافه أمر ثابت مستقر، وهي الواو التي أذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم )) (75) .
ورفض أبو حيان الأندلسي رأي الزمخشري، قال: وهذا (( شيء لا يعرفه النحويون، بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة اخرى إلاّ إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالًا على المغايرة ) ) (76) ، وقال: (( ولا نعلم أحدا من علماء النحو ذهب إلى ذلك ) ) (77) ، ويرَّدهُ قول العكبري: إنَّ (( الجملة إذا وقعت صفة لنكرة جاز أن تدخلها الواو. وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في(ثامنهم) . وقيل: دخلت لتدلََّ على أن ما بعدها مستأنفٌ حقٌ، وليس من جنس المقول برجم الظنون )) (78) ، وهذه هي المغايرة في المعنى والتركيب
وكان الزجاج يقول: (( وقد يجوز أن يكون الواو يدخل ليدل على انقطاع القصة وأن الشيء قد تمَّ ) ) (79) ، وقال أبو جعفر النحاس: (( فيكون المعنى أن الله جلّ وعزّ خبّر بما يقولون ثم أتى بحقيقة الأمر: فقال: وثامنهم كلبهُم ) ) (80) ، وقال الرازي في فائدة هذه الواو، أن هذا القول: (( وثامنهم كلبهم ) ) (81) أولى من سائر الاقوال (82) ، فتكفي هذه الأقوال ردًّا على أبي حيان الاندلسي.