ومنه قوله تعالى: (( عسى ربَّه إن طلقكُنَّ أن يُبدلَه أزواجًا خيرًا منكُنَّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيّبات وأبكار ) ) (83) ، فأتى بالواو بين الوصفين الأخيرين لتضاد النوعين وتغايرهما (84) ، لأن الثَّيِّب من النساء التي تزوجت، والبكْرُ العذراء (85) وهما صفتان متضادتان فلا يجتمعان في محل واحد بخلاف الاسلام والايمان والقنوت والتوبة، فدخل حرف العطف المغاير بين المعنيين لتأكيد وجودهما (86)
ومنه قوله تعالى: (( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) ) (87) ، فأنما عطف في الآية لبيان أنّهما مفهومان متغايران، ووصفان مختلفان وذلك حصل بالعطف لا غير (88) ، فعطف النهي على الامر، والنهي يراد به منع الفعل وابقاؤه على العدم والامر يراد به ايجاد الفعل، والعدم والوجود متضادان لايجتمعان، فحسن هنا حرف العطف المغاير بين المعنيين (89) ، تنبيها على اجتماعهما فاذا تباعدت المعاني حسن العطف بالواو (90) ، قال تعالى: (( هو الاول والآخر والظاهر والباطن ) ) (91) ، (( فلانها اسماء متضادة في اصل موضوعها فرفع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة ) ) (92) ومنه قوله تعالى: (( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ) ) (93) فدخل حرف العطف في الاسمين الأولين (( للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين ) ) (94) ، (( وإن كانا مفردين لفظًا فهما يعطيان معنى يغفر الذنب ويقبل التوب أي هذا شأنه ووضعه في كل وقت ) ) (95) ودخول حرف العطف المغاير بين المعنيين نبه العباد على انه سبحانه يفعل هذا ويفعل هذا ليرجوه ويأملوه (96) .
وفي العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه تدفع به توهم الانكار، إيذانا بأن هذه المعاني مع تباينها فهي ثابتة للموصوف بها (97) . وفصل العلوي أهمية هذه الواو العاطفة بأمور:
ان المرجع بالمغفرة إلى السلب لأن معنى (الغافر) هو الذي لا يغفل التوبة مع الاستحقاق، والمرجع بقبول التوبة إلى الاثبات، لأن معناه أنه يقبل العُذر والندم فلما تناقضا وجب الفصل بالواو.
إنه جمع بين صفات الأفعال بالواو لإفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة وأن يجعلها امحاء للذنوب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول.
ان الواو وردت منبهة على تغاير صفات الافعال فالمغفرة مختصةٌ بالعبد وقبول التوبة مختصٌ بالله تعالى. (98)
ولايشترط في المعاني ان تكون متضادة ليعطف بعضها على بعض، فقد تكون معطوفة لمغايرتها لما قبلها معنى وان كان ليس بينها مضادة، من ذلك قول الخرنق (99) :
لايَبعَدنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفةِ الجُزُرِ
النازلين بكل معتركٍ ... والطيبين معاقد الأُزُرِ
فعطف (الطيبين) لان المراد (العفاف) ، والعفاف يغاير الشجاعة معنى ولفظًا، فلذلك تعين العطف في قوله (وآفةِ الجُزُرِ) لان المراد به الكرم وذلك يغاير وصف الشجاعة (100) . فنصب (الطيبين) على المدح، لانها من صفة اسم واحد؛ (( والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح او الذمّ، فيرفعون اذا كان الاسم رفعًا، وينصبون بعض المدح، فكانهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجدّدٍ غيرُ متْبَع لأول الكلام(101)
ونظير مامثلنا قول الشاعر (102) :
إلى الملك القرم وابن الهمام
وليثَ الكتيبةِ في المزدحَمْ
وذأ الرأي حين تُغمُّ الأمور
بذاتِ الصليل وذاتِ اللُّجمْ
(( فنصب(ليث الكتيبة) و (ذا الرأي) على المدح والاسم قبلهما مخفوض، لأنه من صفةِ واحدٍ )) (103) .
وعلى هذا قوله تعالى: (( ولكن البرَّ مَنْ آمن باللهِ واليوم الآخر ... والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ) ) (104) ، نصبت الصابرين لأنها مِن صفة (مَنْ) ، فذهب به الى المدح (105) .
ومنه قوله تعالى: (( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أُنزل اليك وما انزل من قبلك والمقيمينَ الصلاة والمؤتون الزكاة ) ) (106) فـ (( المقيمين ) )نعت للراسخين نصبت لأنها من صفة اسم واحد (107) ، فغاير في نسق الإعراب تنبيها السامع. أما قوله تعالى: (( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ) ) (108) ، فنظيره في العربية قول بشر بن خازم (109) :
وإّلا فاعلموا أنّا وأنتم ... بغاةٌ مابقينا في شقاقِ
فرفع الصابئين استعمال فصيح، والنكتة ههنا على مخالفة نسق عطف المنصوب على المنصوب، هي تنبيه الذهن الى أن الصابئين كانوا أهل كتاب، ولما كان غير معروف عند المخاطبين بهذه الآية حسن أن ينبه الى ذلك بتغيير نسق الإعراب (110) .
والقاعدة العامة في ذكر الواو هي: (( إن أريد الجمع بين الصفتين أو التنبيه على تغايرهما عُطف بالحرف، وكذلك إذا أريد التنويع لعدم اجتماعهما أُتي بالحرف ) ) (111) ، وإذا كان المقام مقام تعداد صفات من غير