وليس الأمر كما رآه الاستاذ المخزومي، ولا يلام على ذلك؛ فقد سبق الأنباري أن نسب إلى الكوفيين القول بأن المفعول معه منصوب على الخلاف (17) ، وقد فند المختار أحمد ذلك، قال: (( ان الانباري لم يكن دقيقًا في نسبة القول بأن المفعول معه منصوب على الخلاف للكوفيين وكذلك لم يتعرض لرأي الفرّاء في القول بإضمار فعل مناسب ينصب المفعول معه ) ) (18) ، دليل ذلك ما قاله الفرّاء في تفسير قوله تعالى: (( فاجمعوا أمركُمْ وشركاءَكمُ ) ) (19) : (( ونصبت الشركاء بفعل مضمر، كأنك قلت: فاجمعوا أمركم وادعوا، وكذلك هي في قراءة عبد الله، والضمير هاهنا يصلح إلقاؤه، لأن معناه يشاكل ما أظهرت ) ) (20) ، واراد بالضمير الفعل المقدر لأن معناه واضح، لأن الشركاء لا يجمعون. (21)
أمّا المسألة الثالثة فقد أوضحنا رأي الفرّاء فهو يقول: بالنصب على الصرف لا خلاف. (22)
وأمّا أفعل التعجب فلم يثبت عن الكوفيين القول باسمية (افعل) التعجب، فالكسائي وهو زعيم الكوفيين يرى ما يراه البصريون (23) ، والفرّاء لا نجد له نص يذهب فيه الى اسمية (افعل) التعجب؛ لذا فما نسب من اقوال الى الكوفيين المتقدمين لا تعد مذهب كوفيًا يعول عليه. (24)
ومن هذا يتبين أن (الخلاف) ليس من مصطلحات الفرّاء لخلو كتاب (معاني القران) منه، وبهذا يتضح الوهم الذي وقع فيه بعض الدارسين المحدثين فعد الخلاف من مصطلحات الفرّاء المبتكرة (25) .
في حين نجد الدكتور الجواري يذكرهما معا لأنهما يدلان على معنى واحد عنده، قال في نصب المضارع بحروف العطف: (( فانهم يذهبون إلى أن النصب بها انما يكون على الخلاف او الصرف ) ) (26) ، وقال (( ومذهب الكوفيين هذا موافق لما ذهبوا إليه في نصب الاسماء، فأن اكثرها عندهم منصوب على الصرف او الخلاف ) ) (27) ، يقول الاستاذ عوض القوزي: (( الصرف خلاف والخلاف خروج ) ) (28) ، لكن فروق المعنى بين المصطلحات لا تدرك إلا من لغوي دقيق، فالفراء يفضل مصطلح (الصرف) على (الخلاف) ، لأن (الصرف) لغة التغيير (29) ، ولأنه يدلّ على الابعاد المقصود وهو انسب من الخلاف والخروج، فدلالتاهما عامتان (30) .
وعود على بدء فما سماه الكوفيون بـ (واو الصرف) هو لون من ألوان (واو المغايرة) .
ثانيا: الواو الزائدة
نمضي مع اهتمامات المحدثين ونتناول ماعرف بالواو الزائدة، وضح الدكتور هادي الحمداني اهمية الواو الزائدة قائلًا: (( ان هذه الزيادة لا تقتصر على التوكيد فحسب، وانما تتعداها لفوائد لفظية هي تزيين اللفظ وجعله أفصح وأكثر قبولا للسمع، كما أنها تجعل الشعر خاصة مهيأ لاستقامة الوزن، ولحروف الزيادة فوائد خاصة منها التنبيه على الاتصال، واللزوم أو دفع توهم الكلام أو التعويض عن محذوف أو غير ذلك ) ) (31) ، الفائدة تتعدى ذلك فليس كل ما عُدَّ زائدًا هو زائد حقًا. يقول الدكتور عبد الحسن الفتلي: (( ان وجود هذا الذي سمّوه الذي بالزائد في تراكيب العربية المختلفة يكسبها مرونة وإيضاحًا وتوكيدًا ... وإذن فلا زائد في العربية وإنما وجود ما سمّوه زائدًا جاء لغرض بلاغي ولاختلاف في طرق التعبير ) ) (32) ، فلنا أن نفصل الكلام في ذلك، فمن الأمثلة المذكورة على زيادة الواو قوله تعالى: (( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ) ) (33) ، فقد نسب الرُّماني إلى المبرِّد القول بزيادتها في الآية (34) ، والمبرد يقول: (( هو أبعد الأقاويل. أعني زيادة الواو ) ) (35) لأن (( زيادة الواو غير جائز عند البصريين والله أعلم بالتأويل، فأمّا حذف الخبر فمعروف جيد ) ) (36) فهو يحمل هذه الآية على حذف الخبر؛ لعلم المخاطب.
أمّا الدكتور رشيد العبيدي فوجد أن (الواو) في الآية الكريمة هي (واو الحال) ، قال: (( ولولا الواو لما استطعنا التمييز بين الحالين ) ) (37) أي حال أهل الجنة وأهل النار، ولسنا معه، لأن الواو في الاية تفيد العطف، قال ابو جعفر النحاس: إنّ الواو في الاية تفيد معنى العطف هاهنا (( والجواب محذوف قال محمد بن زيد: أي سعدوا. وحذف الجواب بليغ في كلام العرب ) ) (38) فـ الواو (( تؤدي وظيفتها الغالبة وهي المشاركة والسامع يفهم الجواب من خلال المعطوف والمعطوف عليه والمقصود معها التأكيد على حصول الجواب ووقوعه وتحققهُ، وعدم الاستحالة فيه، وكأن وقوعه مقترنا بوقوع الشرط وتفصله فترة زمنية عنه ) ) (39) ، فأمّا الحكمة في حذف الواو في قوله تعالى: (( حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ) ) (40) (( دلّ على أنها كانت مغلقة ) ) (41) ولما قال في أهل الجنة (( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ) ) (42) (( دلّ بهذا على أنها كانت مفتحة قبل أن يجيئوها ) ) (43) ، وبهذا نجد معنى المغايرة واضحًا وما كان ذلك المعنى يتم إلّا بوجود هذه الواو المغايرة.
ولهذه الآية نظائر في القران الكريم، منه قوله تعالى في سورة إبراهيم (( إذ انجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبّحون ابناءَكم ) ) (44) ، وقال عز وعلا في سورة البقرة: (( وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبّحون أبناءكم ) ) (45) ، قال الفرّاء: (( وقوله هاهنا(ويذبحون) (46) وفي موضع اخر (يذبِّحون) (47) بغير واو