لِي عَدَدُ هذِهِ العِضَاهِ [1] نَعَمًا، لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلاَ كَذّابًا وَلاَ جَبَانًا" [2] ، وفي الصحيحين عن جابر قال:"مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لاَ" [3] . وقال لجابر:"لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا". وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا" [4] وخرّج البخاري عن سهل بن سعدٍ -رضي الله عنه-: أنَّ أمْرَأةً جَاءَتْ إِلَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فَقَالَتْ: نَسَجْتُها بِيَدَيَّ لأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإنَّهَا إزَارُهُ، فَقَالَ فُلانٌ: اكْسُنِيهَا مَا أحْسَنَهَا! فَقَالَ: (( نَعَمْ ) )فَجَلَسَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المَجْلِسُ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَواهَا، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ: فَقَالَ لَهُ الْقَومُ: مَا أحْسَنْتَ! لَبِسَهَا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحتَاجًَا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَألْتَهُ وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ: إنّي وَاللهِ مَا سَألْتُهُ لألْبِسَهَا، إنَّمَا سَألْتُهُ لِتَكُونَ كَفنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [5]
وكان جوده صلى الله عليه و سلم كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع.
كان يلتقي هو وجبريل عليهما الصلاة والسلام ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب له خلقًا، بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه، و يمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل عليه السلام، و كثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم و الجود، ولا شك أن المخالطة مع هذا الكتاب الكريم تؤثِّر وتورِّث
(1) العضاه: شجر له شوك.
(2) البخاري (2821) .
(3) متفق عليه، البخاري (6034) ، مسلم (2311) .
(4) متفق عليه، البخاري (2296) ، مسلم (2314) واللفظ له.
(5) البخاري (2486) .