فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 17

وكذلك قولنا في وجْهِه تبارك وتعالى ويديه وسمعه وبصره وكلامه واستوائه ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك الصفات وحقائقها كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما فهكذا سائر صفاته المقدسة يجب أن تجري هذا الْمَجْرَى ، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها فإن الله سبحانه لم يكلف عباده بذلك ، ولا أراده منهم ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا ، بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته ، وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دانٍ قد حُجِب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها ، وجعل لهم السبيل إلى معرفتها والتمييز بينها وبين أرواح البهائم . وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار فقَامَتْ حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يعرِفُوا كيفيته وكنهه ، فلا يشك المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر وأنهارا من عسل وأنهارا من لبن ، ولكن لا يعرفون كُنه ذلك ومادته وكيفيته ، إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ما اعتصر من الأعناب ، والعسل إلا ما قَذَفَتْ به النحل في بيوتها ، واللبن إلا ما خرج من الضروع ، والحرير إلا ما خرج من فَمِ دُود القزّ ، وقد فهموا معاني ذلك في الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا ، كما قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء . ولم يمنعهم عدم النظير في الدنيا من فَهْمِ ما أُخبِروا به من ذلك ، فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم انتفاء نظيرها في الدنيا ومثالها من فهم حقائقها ومعانيها ، بل قام بِقُلوبهم معرفة حقائقها وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها ، وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته سبحانه لنفسه في ثلاثة مواضع من القرآن . انتهى .

وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية ( 129) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت