عندما يتأمل المسلم هذه الوقفة الإبراهيمية التربوية، بعد أن صدع بأمر ربه، وأخذ بأسباب معيشة هاجر وابنها، وبعد أن أجاب على تساؤل هاجر، وطمأنها، واقتنعت ورضيت، ثم اتجه إلى الركن الشديد، إليه - سبحانه - معلنًا أنه قد أسكن بعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها، وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون هذه المشقة من أجلها، ثم دعا الحق - سبحانه - أن يرقق قلوب البشر ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان الخير مع هؤلاء القادمين، ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين.
والتوفيق الإلهي هو الرصيد الأهم والمعلم الرئيس لأي حركة دعوية يقع على عاتقها إقامة مشروع الأمة الحضاري، وإيراده هنا حسب تسلسل القصة.
وهو رصيد يميز أهل الحق وأصحاب الدعوات عن غيرهم من أهل الباطل، وهو الركن الشديد الذي يلوذ به كل رسول وكل داعية؛ خاصة أثناء لحظات الدعوة الحرجة، وبعد أن تنقطع كل السبل وتتهاوى في الأسناد، وبعد الاجتهاد في الأخذ بكل الأسباب. وتدبر موقفه -صلى الله عليه وسلم- وهو عائد حزين من الطائف، وهو يؤكد لزيد بن حارثة رضي الله عنه على أهمية هذا المعلم الأساسي والركيزة الأهم لأصحاب الدعوات: (يا زيد! إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه) (9) .
لذا؛ فإن الداعية مطالب باستشعار فضل القوة التي أنجت إبراهيم عليه السلام من النار، وموسى عليه السلام من فرعون، ويونس عليه السلام من بطن الحوت، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- في الغار وفي بدر وأثناء محنة حنين، وعليه أن يتذكر أنهم قد نجوا بالدعاء وطلب العون منه - سبحانه - بعد الأخذ بالأسباب؛ وذلك حتى يكتمل تجردهم وخلوصهم من الركون إلى أي سبب دونه - جل وعلا- .