وتدبر هذه الحادثة المشهورة التي حدثت أثناء الاستعداد لغزوة (تبوك) ، حيث حكى كعب بن مالك -رضوان الله عليه - عن هذه القاصمة قائلا: (ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله) (12) فتأمل هذا الموقف الذي شعر به هذا الصحابي الجليل: فالعدد كثير، وليس هناك كتاب، مما يشعر المرء بأنه ليس هناك من يلاحظ تغيبه، ويتابعه، ولكن وجود المربي الواعي المتفقد كان العاصمة التي قال عنها كعب رضي الله عنه: (ولم يذكرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ تبوك، فقال - وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟) (13) .
لهذا لم يعبث المبطلون بتركته -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتعرض قومه لغواية الشياطين، ولم يجد السامريون أي ثغرة ليدخلوا منها إلى الصف، كما حدث مع موسى عليه السلام.
وعلى الداعية، أن يحذر السامريين، فيهتم بالتوازن بين الواجبات الملقاة على عاتقه،نحو دعوته وأهله ونفسه، فلا ينشغل بجانب على حساب الآخر، لأن كل واجب إنما هو ثغرة، ولكل ثغرة سامري يتربص بها إذا انشغل أو غاب عنها، ولم تشفع له نيته الحسنة، ولا سمو المهمة التي شغلته عنها، أن يضع نفسه في موقف المؤاخذة والحساب.
الشرط النوعي... الرواحل:
من فقه المرحلة... اختيار افرادها: قد طلب الخليل من إسماعيل - عليهما السلام - في زيارته التفقدية الأولى أن يطلق زوجته الأولى، وطلب منه أن يبقي معه زوجته الثانية في زيارته الثانية.