الصفحة 6 من 13

أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في قيامه على إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة: كما يدل لذلك حديث عائشة قالت: (قالت ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر قال تنام عيني ولا ينام قلبي) ... (رواه البخاري) ، وحديثها الآخر قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) (رواه البخارى) .

أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقوم الليل كله، بل كان يخلطه بقراءة قرآن وغيره:

يدل لذلك حديث عائشة قالت: (لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرا كاملا قط، غير رمضان) (رواه النسائى وصححه الألباني) ، وحديث ابن عباس، وفيه: (وكان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن) (رواه البخاري)

أن غالب قيامه صلى الله عليه وسلم كان منفردًا؛ خشية أن يُفرض القيام على أمته:

عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: (أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ... (رواه البخاري)

لقد كان شديد الخوف أن يفرض القيام على أمته فيقصِّر فيه أناس فيأثموا، فيالها من رحمة أودعها الله جل جلاله في قلب الحبيب بأمي هو وأمي وروحي وقلبي، وصدق الحكيم العليم في قوله تعالي: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128)

مدارسته صلى الله عليه وسلم القرآن مع جبريل عليه السلام:

فعن ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) . (رواه البخاري) فإذا كان هذا الحرص وتلك العناية بمدارسة القرآن ممن جمع الله له القرآن في صدره، وتولى تفهيمه إياه، فما أحوجنا إلى مثل هذه المدارسة لننعم بهداية القرآن الكريم؟

ولقد أخذ القرآن الحظ الأوفى والدقائق الغالية والساعات الثمينة من حياته صلى الله عليه وسلم، فهو معجزته الكبرى الخالدة .. وهو نور وهداية للعالمين، أمره الله تعالى أن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وقال سبحانه: (ورتل القرآن ترتيلا) (المزمل: 4)

ولم يكن صلى الله عليه وسلم تاليًا للقرآن بلسانه فحسب حاشا وكلا وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه بل كان ينعكس القرآن على سلوكه وجوارحه، في ليله ونهاره، في إقامته وأسفاره، في غضبه وعند رضاه، في سره وفي علانيته، ولذا سئلت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم عن خلقه عليه السلام، فقالت: (كان خلقه القرآن) .

وتجاربه مع القرآن وتفاعله مع آياته معلوم عنه ومشهور، فكان في قيامه، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، أو استغفار استغفر، أو دعاء دعا.

تواضعه وزهده صلى الله عليه وسلم:

وشواهده كثيرة، منها: سيلان ماء المطر من سقف المسجد على مصلاه صلى الله عليه وسلم وسجوده في ماء وطين (رواه البخاري) ،

وصلاته صلى الله عليه وسلم قيام الليل على حصير (رواه أبو داود وصححه الألباني)

واعتكافه صلى الله عليه وسلم في قبة تركية على سدتها حصير (رواه ابن ماجه وصححه الألباني) ،

وتواضع فطوره وسحوره صلى الله عليه وسلم.

ومن هذا يتبين أن الأقرب إلى هديه صلى الله عليه وسلم هو التواضع والزهد وهو: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والتقلل من نعيم الدنيا، والتبسط وترك التكلف الذي يكون دافعه تواضع القلب لله تعالى وإخباته له، وإقباله عليه، وطمأنينته ورضاه به، وتعلقه بنعيم الآخرة الباقي، وهذه حقيقة الزهد، لا أن نترك ذلك ظاهرًا والقلوب شغوفة متطلعة إليه مشغولة به، فتلك عبودية الدنيا كعبودية الدرهم والدينار.

إكثاره صلى الله عليه وسلم من الإحسان والبر والصدقة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت